الطاهر ساتي

النظافة ..!!

:: كما لم نكن نتسحب لمخاطر السيول والأمطار قبل الخريف، فإن السلطات لم تكن تتسحب لمخاطر أمراض ما بعد الخريف، ومنها الحُميات والإسهالات التي تهلك الناس سنوياً. ولقد أحسنت وزارة الصحة الاتحادية – يوم أمس – وهي تُبلغ منظمة الصحة العالمية وتخاطب الرأي العام باكتشاف أربع حالات إصابة بداء الكوليرا بولاية النيل الأزرق، وقد توجهت الفرق الطبية من الوزارة الاتحادية والمنظمة الدولية لدعم السلطات الولائية.

هذا الإعلان الوزاري ظاهرة صحية، ولم تكن مألوفة طوال عقود ( أُم غمتي)..!!

 

:: ومن محن تلك العقود، وهي موثقة في أرشيف موقعها الإلكتروني، نشرت الجزيرة تقريرا بالنص القائل: “على مدى عدة أشهر، حصد مرض تسميه الحكومة السودانية “الإسهالات المائية” أرواح السودانيين في أكثر من عشر ولايات ببلاد مترامية الأطراف، وسط صمت إزاء الكارثة التي أودت بحياة أكثر 265 شخصاً، وإصابة نحو 16 ألفا آخرين، وفق الإحصاءات الرسمية لوزارة الصحة”، هكذا كان الخبر بتاريخ 6 يونيو 2017..!!

 

:: عندما يعجزون عن مكافحة الكوليرا، كانوا يلقبونها بالإسهالات المائية.. وبصراحة، نشهد بأن سادة النظام المخلوع كانوا عباقرة في صياغة الأسماء المُزيفة، والمُراد بها طمس الأسماء العريقة أو دفن رؤوس الحقائق في رمال الزيف.. ومن كان يغطي الكوليرا بالإسهالات المائية – في عهد المخلوع – يستحق جائزة نوبل في (الطمس).. واليوم، لقد أحسنت السلطات حين أزالت ذاك الغطاء.. فإن كان الطبيب يصارح المريض باسم مرضه (كمدخل للعلاج)، فمن باب أولى أن تتعامل الدولة مع قضايا شعبها بذات النهج ..!!

:: والمهم ..الكوليرا، أو المسماة سابقا بالإسهالات المائية، وضعها أبو الطب أبقراط على صدارة قائمة أقدم الأمراض في تاريخ البشرية.. أي هي أقدم الأمراض، حسب تصنيف أبو الطب في القرن الرابع قبل الميلاد ..وتعيش بكتريا الكوليرا وكل الإسهالات في كل مصادر المياه حول العالم، ولا تتأثر بالمناخات. ولا تظلموا الأمطار، فإن بكتريا الكوليرا لاتنشط إلا في (البيئة المتخلفة)، أي التي أهلها بحاجة إلى تعلم (كيفية الحياة).. وعليه، حين تنظر إلى حياة الناس في كل ولايات بلادنا، تكتشف مصادر الداء ..!!

:: فالكوليرا مقدور عليها، ولكن لا علاج لمصادر الكوليرا وغيرها من الأوبئة غير التغيير الجذري؛ ليس تغيير وزير بآخر، ولا تغيير نظام حُكم بآخر، بل تغيير السلوك، وقديما قالوا: إذا أردت أن تعرف مدى تحضر شعب، فانظر إلى أنديته وما فيها من أنشطة.. وشوارعه وما عليها من لافتات ومحاذير.. وإلى مجالس أهله وما هم فيه يتحاورون.. وإلى صحفه وما تحمل من حوداث وقضايا.. وإلى أمراضهم وأسبابها.. وإلى مستوى النظافة في مركباتهم وأسواقهم وشوارعهم و..و.. وغيرها..!!

:: وكل هذه – وغيرها – بمثابة لوحات ناطقة بلسان حال المجتمعات، وهي تكفي لكشف عقل المجتمع.. إن كان عقلاً قابعاً في قاع الجهل أو كان عقلاً محلقا بأجنحة الوعي.. وفي الخاطر، قبل ثلاث سنوات، عندما ظهرت حالات كوليرا بالنيل الأبيض ثم انتقلت إلى الخرطوم و أخريات، نشرت الصحف محاذير تعد عند الآخرين من الغرائب.. كالتحذير من تناول الأطعمة الملوثة من الباعة الجائلين، وغسل الأيدي قبل وبعد الأكل، ثم بعد قضاء الحاجة ..و..و .. للأسف، فإن مجتمعاتنا لاتزال بحاجة إلى محاذير القرون الوسطى ..!!

 

 

إليكم … الطاهر ساتي

 

 

السوداني