الإشارة جاي واللا جاي؟!



شارك الموضوع :

(1)
قديماً كانت السياسة الخارجية مُتنازعة بين نظريتين هُما المثالية التي ترى أنّ السِّياسة الخارجيّة لأيِّ بلدٍ ينبغي أن تقوم على مبادئ وقواعد أخلاقية.. أمّا المدارسة الواقعية فترى أنّ السياسة الخارجية ينبغي أن تقوم على مَصلحة البلاد فقط، فحيثما وجدت هذه المَصلحة يجب أن تتّجه هذه السِّياسة، ولكن بعد الحَرب البَاردة ونهاية المُعسكر الاشتراكي وسَيطرة اليَمين المُتَطَرِّف على الغرب الذي وَصَلَ قِمّته مع ترمب، أصبحت السياسة الخارجية في كلّ العالم تقوم على المَصلحة، فحلّت البراغماتية محل النظريات القديمة، لا بل حتى المُنظّمات الدولية المناط بها مُراعاة الأبعاد الأخلاقية كالأمم المتحدة تَحَوّلت إلى أداةٍ لخدمة الدول المُسيطرة عليها فانزوت المثالية إلى غَير رَجعةٍ.

 

(2)
النظام السّابق وباعتراف كبار أساطينه لم يفهم اللعبة الدولية كما ينبغي، حاول خلق أجواءٍ إقليمية شبيهة بأجواء الحرب الباردة (مؤتمر الشعب العربي والإسلامي)، ولكنّه تَنَاسى قُدرات البلاد المحدودة ولم يَستفد من درس 11 سبتمبر 2001.. بالمُناسبة اليوم (يوم كتابة هذا المقال) هو 11 سبتمبر, ما علينا, ولكن الأسوأ عندما انشطر الإقليم العربي عدة انشطارات كان كل شطر يجد له قدماً داخل كابينة النظام الحاكم، الأمر الذي أدّى إلى شَللٍ تَامٍ في مكينيزمات السياسة الخارجية، فمثلاً عندما حَدَثَ التّمحور الخليجي الأخير فَقَدَ النظام دعم الطرفين رغم أنه دعم الطرفين، مع أنّ هُناك دُولاً عَربية لَم تَدعم أيّاً من الطرفين وتَلَقّت دعماً مِن الطَرفين، وهذه المُفَارَقَـة لا تفسير لها إلا أنّ هناك عجزاً في القُدرات البشرية والمُؤسّسية التي تضع السِّياسة الخارجيَّة، فقد صادرتها كلها رئاسة الجمهورية وهذه قصةٌ أخرى..!

 

 

(3)
الدكتور حمدوك عبّر عن السياسة الخارجية التي تنتوي الحكومة الجديدة اتّباعها في حديثه لأجهزة الإعلام يوم إعلانه لحكومته الجديدة في الخامس من سبتمبر الجاري عندما قال للحضور من الصّحفيين، صراحة إنه لن يتحدّث عن استقلالية القرار والحياد وعدم التّمحور وكل هذا الكلام المثالي، فنحن نعلم ما يجري في العالم وما يجري حولنا، عليه فستكون مَصلحة السودان أولاً وثانياً وثالثاً هو محور سياستنا الخارجية، ثم في ذات السِّياق وفي حديثٍ لاحقٍ قال، إننا نتطلّع لجُهُود ومُساعدة الإخوة والأشقاء والأصدقاء والشركاء (هذه الصفات ليست مُترادفة على الإطلاق وكل واحد منها يُشير إلى مَجموعةٍ مُختلفةٍ)، لا أدري إن جاء هذا بقصدٍ أم مُصادفةٍ..!
ثم في ذات السِّياق وفي حَديثٍ لاحقٍ، شَكَرَ كلاً من السعودية والإمارات وقطر والكويت ومصر، على المُساعدات التي قُدِّمت لمكنوبي السُّيول والأمطَـار مُؤخّـراً، ولكن قبل هذا قال إنّ إخراج السُّودان من قائمة الدُّول الرّاعية للإرهاب هو أولوية سِياسته الخَارجيّة وبدون ذلك سَيكون أيِّ جهدٍ مَبذول حَرثاً في البحر أو كما قال..!

 

 

(4)
دُون جهدٍ للقراءة فيما بين السطور، فحديث الدكتور حمدوك وضح مرتكز سياسة حكومته الخارجية، حيث جعل البراغماتية هي مدرسته، وهنا لا بُدّ الاستفادة من سقطات النظام السابق في مُمارسة البراغماتية، حيث وزّع تلك السياسة على مُؤسّساته غير المُتناغمة فطغت الدبلوماسية الرئاسية وهي مضروبة من قِبل الجنائية، فأصبحت وزارة الخارجية عبارة عن جهاز إطفاء حرائق..!
نعم لا بُدّ من مجموعات تفكير ودراسات وبحوثٍ، ولا بُدّ من جهدٍ شعبي وجهدٍ رئاسي، ولكن يجب أن تصب كلها في قناة وزارة الخارجية فهي المايسترو (معليش مساحة العمود كملت)..!

 

 

حاطب ليل || د.عبداللطيف البوني

 

 

السوداني

 

 

شارك الموضوع :

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.