النيلين
الطاهر ساتي

(فك وتركيب)

:: (أخيرا)، أي بعد أن بلغت أرواح المشاهدين حلاقيمهم، أصدر رئيس الوزراء عبدالله حمدوك قرارا بإعفاء إسماعيل عيساوي، عن منصب مدير عام الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ليتنفس الثوار الصُعداء. ومع توجيه وزارتي الثقافة والإعلام والعمل والتنمية الاجتماعية، والجهات الأخرى بتنفيذ القرار، كان على رئيس الوزارة دعوة تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير لتجهيز (مليونية).. هذا الإنجاز التاريخي يستحق مواكب الفرح.

 

:: وبعد تهنئة وزير الإعلام والشعب السوداني بالعيد السعيد، فعلى الصحف أن تحتجب لثلاثة أيام أو أكثر بمناسبة (عيد الإقالة). وما كان علينا أن نفسد على وزير الإعلام فرحته بعيد إقالة عيساوى، ولكن يجب تذكيره بأن هناك آخرين في الإذاعة وسونا والإعلام الخارجي وغيره من المؤسسات التابعة لوزارته، وأن أمر تغييرهم بحاجة إلى (قومة نفس أيضا)، أي كما حدث في تغيير عيساوي.

 

:: ولو استمرت وتيرة التغيير – من حيث الزمن والشد والجذب – في مؤسسات الدولة بذات (الطريقة العيساوية)، فإن الثلاث سنوات – المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية – لن تكفي كفترة انتقالية. أي أنه يجب تعديل الوثيقة بحيث تمتد الفترة الانتقالية إلى ثلاثين عاما أو أكثر، بحيث يتم تغيير ثلاثة فلول شهريا. وكما حدث بعد التوقيع عليها في النصوص ذات الصلة برئيس القضاء، فإن تعديل الوثيقة الدستورية أسهل وأسرع من (تغيير الفلول)، وليس هناك ما يمنع تعديل نص الفترة الانتقالية، بحيث تمتد لحين التغيير الشامل.

 

:: إن المعاناة التي عاشها وزير الإعلام لإقالة مدير التلفزيون تنتظر كل الوزراء. كثيرة هي أوكار التمكين. وفي الخاطر، في عهد النظام المخلوع، أصدر وزير الإرشاد والأوقاف قرارا بإيقاف مدير هيئة الحج والعمرة مع إحالته إلى لجنة تحقيق، لتحقق حول تجاوزات إدارية ومالية، ولكن القرار الوزاري لم يعجب مدير هيئة الحج والعمرة، ولذلك رفض تنفيذه، وخرج للصحف مخاطبا الوزير بالنص: “إنت ماعينتني عشان توقفني وتحاسبني، عينني رئيس الجمهورية”.

 

:: فالرئيس المخلوع كان حريصا على تجريد الوزراء من سلطاتهم. وكذلك الحزب البائد كان حريصا على (تشليع الوزارات)، وذلك بخلق هيئات ومجالس وصناديق تابعة للرئيس المخلوع شخصيا. كان المراد بهذا التشليع تجريد وزراء الأحزاب الأخرى من السلطات؛ نعم، فن التنازل عن الوزارات المسماة بالمهمة كان لعبة يتقنها الحزب البائد ويحترفها منذ حكومة نيفاشا.. واليوم تدفع حكومة حمدوك ثمن تلك (اللعبة الخبيثة).

 

:: على سبيل المثال، شارك الحزب الاتحادي الديمقراطي في الحكومة. ولأنهم يحبون وزارة التجارة (حُبا جما)، كافأهم بها الحزب البائد، ولكن بعد أن تم تجريدها من سلطاتها، بحيث لم يعد لوزيرها – حتى عهد مدني عباس هذا – من السلطات غير التصديق على أذونات إجازات العاملين. هذا التجريد لم يحدث لإضعاف سلطة وزير حزب مولانا فقط، ولكن تم تجريدها من سلطاتها بعد نيفاشا مباشرة لإضعاف وزير الحركة الشعبية أيضا، وهو صاحب الصيحة الشهيرة (وزارتي شلعوها).

 

:: وكذلك وزارة الصحة، كانت ذات سلطة قبل شركاء نيفاشا.. وتم تجريدها من سلطة الإدارة الدوائية بتدمير إدارة الصيدلة وإنشاء (المجلس القومي)، ومن سُلطة الإمدادات الطبية بإنشاء صندوق الإمدادات الطبية.. والأدهى، تم تجريدها حتى من سُلطة إدارة المشافي التعليمية والمرجعية بالبدعة المسماة (أيلولة).. ومن فنون تشليع (وزارة الري)، صنعوا وحدة تنفيذ السدود (دولة داخل دولة).. وهكذا فإن تفكيك أوكار التمكين وتأسيس دولة المؤسسات بحاجة إلى عزيمة الحكومة وصبر الشعب.

 

إليكم … الطاهر ساتي

 

 

السوداني

 

 

 

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.