النيلين
رأي ومقالات

هل ستزول دولة إسرائيل؟

قد يبدو هذا السؤال غريبا، ولا ينسجم مع مرحلة التشتت والضعف التي نمر بها، نحن العرب؛ بل هناك من سيعتبره ضربا من الجنون، أو نوعا من الهلوسة، فكيف يمكن لأقوى دولة في الشرق الأوسط أن تتلاشى؟ وأين جيشها وقوة ترسانتها العسكرية وقدراتها الاستخبارية والتكنولوجية؟ ومن هذه القوة التي تمتلك الجرأة والقدرة على مواجهتها أو تحدّيها؟ ولكن صفحات التاريخ تحدثنا عن إمبراطوريات تلاشت ودول عظمى تفككت؛ فكيف بهذه “الدولة” التي أُقِيمت على يد تنظيمات سياسية وعصابات إرهابية متنافسة ومتناحرة تمكّنت من استغلال انشغال غالبية دول العالم في التداعيات الكارثية للحرب العالمية الثانية، واستفادت من ضعف دول عربية، وخذلان بعض آخر وخيانته، للإعلان عن قيامها؛ ولكن ذلك لا يعني بقاءها، لأن القوة مهما تعاظمت لن تكون ضمانة كافية لاستمرار وجودها، سيما وأن الحديث يدور عن “دولة”، لا تمتلك جذورا تاريخية أو بيئة مناسبة تساعدها على البقاء، بل إنها تحمل بعض عناصر زوالها من داخلها، كما عبر عن ذلك الجنرال احتياط عاموس جلعاد “نحن كبيت محصّن بجدران قوية، لكن الديدان تنخر في قواعده من الداخل”، وذلك بناءً على قراءته الواقع والتطورات التي طرأت على الحلبة الدولية، وعلى المشهد الإسرائيلي الداخلي، خلال الأعوام الماضية وأهمها:
أولا، انحسار خيارات العمل العسكري في المجال الدفاعي، بشقيه الدفاعي والهجومي، وتبنّى نظرية المعركة بين الحروب، بعد انتهاء صلاحية أسس العقيدة الأمنية الثلاث “حسم، ردع، إنذار”، فلم يعد للحسم مكانة باعتراف كبار الخبراء الأمنيين والعسكريين، حيث تغير مفهومه من إخضاع العدو إلى استخدام القوة المفرطة لإضعافه وإقناعه وقف عملياته، والقبول بوقف
“انتهت صلاحية أسس العقيدة الأمنية الإسرائيلية الثلاث “حسم، ردع، إنذار””
إطلاق النار. كما لم تعد للإنذار قيمة في ظل حالة التوتر التي تمر بها المنطقة، لأن أي حدث عابر قد يتسبّب في اندلاع مواجهةٍ لا تُحمد عقباها، حتى لو لم يكن لأي طرفٍ رغبة بها. أما قوة الردع فاسألوا الحدود الشمالية والجنوبية، كيف أفقدتها هيبتها، بل اسألوا عنها العمليات الفردية التي تحدث بين حين وآخر في مدن الضفة الغربية والقدس المحتلة.

ثانياً، تشتت الخريطة السياسية في إسرائيل، أو بمعنى آخر “لم يعد هناك كبير”، بعد أن فقدت الأحزاب الوازنة مكانتها وقوتها، وأصبحت الأحزاب الصغيرة هي التي تُملى شروطها وتتحكّم في كيفية تشكيل الحكومة وبقائها أو حلّها، فحزب العمل الذي أسس الدولة وقادها ثلاثة عقود بات يترنح أمام نسبة الحسم، ولم يتمكن من تجاوزها إلا بالانضمام إلى حزب جيشر. أما حزب الليكود الذي شكّل غالبية الحكومات على مدار العقود الأربعة الماضية، فقد فشل في تشكيلها للمرة الثانية على الرغم من حرصه على ضم أكبر عدد من التيارات، وعلى الرغم من تحصّنه بمعسكر اليمين.
ثالثا، زيادة حدة الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث أظهر استطلاع للرأي أن 73% من الجمهور يعترفون بأنهم مجتمع منقسم، وما ساهم في ذلك تركيبته السكانية المكوّنة من ثقافاتٍ

“”لم يعد هناك كبير” بين الأحزاب السياسية، بعد أن فقدت الأحزاب الوازنة مكانتها وقوتها”
متعدّدة، شكلت تربة خصبة لظهور الخلافات وتناميها بين الشرقيين والغربيين والعلمانيين والمتدينين وبين اليمينيين واليساريين. وقد أدرك بن غوريون خطر الانقسام. لذلك حرص على تضمين الحصانة الاجتماعية في رؤية الأمن القومي، باعتبارها ركيزة أساسية لبناء “الدولة” وبقائها، إلا أن التغيرات الديمغرافية التي تمثلت بزيادة عدد الحريديم والمتدينين زادت من حدة الصراع بشأن طابع الدولة بين من يريدها يهودية دينية ومن يريدها يهودية ديمقراطية.
رابعا، انتشار ظاهرة الفساد التي تنخر في المجتمع الإسرائيلي كالسرطان، حسب وصف عضو الكنيست السابق موشيه مزراحي، باعتبارها خطرا استراتيجيا يزعزع أسس النظام الديمقراطي، وثقة المواطنين بقيادتهم السياسية، وهو ما أثبتته استطلاعات الرأي التي أفادت بأن ثقة الجمهور بالحكومة لا تتعدى 16%، وفي الكنيست 30.5% وفي الأحزاب السياسية 27.5% كما أنه يفسر فشل نتنياهو للمرة الثانية في تشكيل حكومة، بسبب قضايا الفساد الموجهة ضده وضد وزراء في حكومته.
خامسا، تغير الميزان الديمغرافي الناتج عن زيادة نسبة الحريديم وكبار السن التي تصل إلى 20% تقريبا من تعداد السكان، وهو ما يزيد من الأعباء الاقتصادية والعسكرية على الفئة

“نسبة الحريديم وكبار السن تصل إلى 20% تقريبا من السكان، وهو ما يزيد أعباء الفئة المعيلة”
المعيلة التي تعاني أصلا من ارتفاع مستوى المعيشة وتراجع الدافعية لأداء الخدمة العسكرية، كما انه يفاقم العجز المتراكم في الميزانية، حيث زاد بـ 15 مليار شيكل عن العجز المقبول المُقدر ب 40 مليار شيكل، وما قد يترتب عليه من تقليص الخدمات وفرض الضرائب.
ربط هذه المؤشرات ببعضها، وبالتطورات الأخرى، كتراجع مكانة أميركا ونفوذها في المنطقة باعتبارها ركيزة أساس للحفاظ على قوة إسرائيل سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وتعاظم قوة خصومها، يدل على أن عجلة التاريخ التي غيبت الإمبراطورية التي لم تغب عنها الشمس لن تقف عاجزة عن الدوران أمام هذا الكيان العابر. وهذه رسالة إلى المطبعين والمنسقين أن عودوا إلى رشدكم وصوّبوا مساركم، وإلى الصامتين أن تحرّكوا لتنالوا شرف المشاركة في التخلص من عار الاحتلال. أما ملح الأرض وأحرارها الذين رفضوا الخنوع والخضوع على الرغم من تتالي الضربات وتعدد الطعنات أن اثبتوا وواصلوا طريقكم نحو القدس، لأن حلم العودة ليس منكم ببعيد.

العربي الجديد

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.