النيلين
صلاح الدين عووضة

الـﺠﻬﻨﻤﻴﺔ !!

ونقص القصص..
كعادتنا كل جمعة ؛ هرباً من دنيا السياسة..
وقصتنا هذه اليوم تبدو غريبة… قد ﻳﺼﻌﺐ ﺗﺼﺪﻳﻘﻬﺎ ..
ﻓﻬﻲ ﺇﻟﻰ ﻋﻮﺍﻟﻢ ﺍﻻﺳﺘﺒﺼﺎﺭ… ﻭﺍﻻﺳﺘﻠﻬﺎﻡ… ﻭﺍﻟﺘﺨﺎﻃﺮ… ﺃﻗﺮﺏ ..
ﻓﻤﺎ ﻛﻞ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻳﺴﻬﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻌﻬﺎ ﺑﻤﻨﻄقه العقلاني..
هكذا يقول دعاة الـ ما ورائيات..
أي ما وراء المحسوس… والمنظور… والمعقول..
ومنها – مثلاً – أن يـﻣﺮ أحدنا ﺑﺘﺠﺮﺑﺔ ﺳﻤﺎﻉ ﺍﺳﻤﻪ ﻣﻦ ﻏﻴﺎﻫﺐ ﺍﻟﻤﺠﻬﻮﻝ..
أو رؤية ﻣنام يـﺗﺠﺴﺪ ﻭﺍﻗﻌﺎً ﺑﻌﺪ فترة ..
أو ﺍﺳﺘﺸﻌاﺮ ﺗﺤﺬﻳﺮ ﺪﺍﺧﻠـي ﺇﺯﺍﺀ ﺧﻄﻮﺓ ﻣﺎ…ﻓتـﺼﺪق الـﻣﺨﺎﻭف ..
أو الاستيقاظ ﻣﻦ الـﻧﻮم ‏مغموماً… فيكون للغم سبب..
ﻭﺣﻜﺎﻳﺘﻨﺎ ﺍﻟﻐﺮﺍﺋﺒﻴﺔ ﻫﺬﻩ ﺑﻄﻠﺘﻬﺎ ﻃﻔﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﺷﺮﺓ ﻣﻦ ﻋﻤﺮﻫﺎ ..
ﺃﻭ ﻫﻲ ﻣﺎ ﺯﺍﻟﺖ ﺑﻄﻠﺘﻬﺎ – ﺇﻟﻰ ﺍﻵﻥ – ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺍﺯﺩﺍﺩﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﻋﺸﺮﻳﻦ..
ﻓﻤﻦ ﺑﻴﻦ جميع ﺃﺷﺠﺎﺭالبيت انجذبت ﺇﻟﻰ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺑﻌﻴﻨﻬﺎ ..
ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺗُﻬﺮﻉ ﻛﻞ ﺻﺒﺎﺡ ﻧﺤﻮها… ﺘﻘﻒ ﺃﻣﺎﻣﻬﺎ بـﺘﺒﺘﻞ ..
ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻨﺎﺟﻴﻬﺎ ؛ ﻭﺗﺠﺰﻡ ﺃﻥ ﺗﺠﺎﻭﺑﺎً ﻣﻦ ﺗﻠﻘﺎﺋﻬﺎ ﺗﺤﺴﻪ ﺑﻠﻐﺔٍ ﻏﻴﺮ ﺑﺸﺮﻳﺔ ..
ﻭﺫﺍﺕ ﻟﻴﻠﺔ جرت ﻤﻨﺎﺟﺎﺓ ﻤﺴﺎﺋﻴﺔ تحت ﺿﻮﺀ القمر..
و ﺃﺑﺼﺮﺕ ﻣﺎ ﺟﻌﻞ ﻗﻠﺒﻬﺎ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ ﻳﺨﻔﻖ ﺧﻔﻘﺎﻧﺎً ﺭﺃﺕ ﺁﺛﺎﺭﻩ ﺃﻋﻠﻰ قميصها المسائي..
وكلب البيت – من خلفها – أفاق من غفوته وطفق يعوي… ويتلوى..
ثم يتوقف – من حين لآخر – ليصوب بصره جهة الجهنمية..
ﻭﺃﺣﺴﺖ ﺑﺸﻌﺮﻫﺎ ﺍﻟﻨﺎﻋﻢ – المنسدل – يقف ﻣﺜﻞ ﺣﺮﺍﺏ ﺳﻮﺭ ﺍﻟﺤﺪﻳﻘﺔ..
حديقة منزل أبيها الحكومي ؛ وكان موظفاً ذا شأن بالمدينة..
فقد ﺷﺎﻫﺪت ﻭﺟﻪ شاب ﻳﺤﺪﻕ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﻌﻴﻨﻴﻦ ﺣﺰﻳﻨﺘﻴﻦ… من بين أفرع الشجرة..
ورغم جمال عينيه إلا أن مشاعر الخوف غلبت عليها..
ﻭﺍﻣﺘﻨﻌﺖ ﺃﻳﺎﻣﺎً ﻋﻦ ﻣﻨﺎﺟﺎﺓ ‏ﺠﻬﻨﻤﻴتها المفضلة… ﺭﻏﻢ ﺷﻮﻗﻬﺎ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﺇﻟﻴﻬﺎ..
ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻘﺮﺑﻬﺎ أبداً مكتفية ﺑﺎﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻋﻦ ﺑﻌﺪ ؛ نهاراً..
ﺛﻢ ﺣﻴﻦ استجمعت شجاعتها – وﻋﺎﻭﺩﺕ ﺍﻟﺘﺒﺘﻞ ‏ﺍﻟﻄﻔﻮﻟﻲ ‏ – ﻟﻢ ﻳﻈﻬﺮ ﻟﻬﺎ ﺍﻟﻮﺟﻪ..
ﺑﻞ ﻟﻢ ﻳﻈﻬﺮ مرة أخرى ﺇﻟﻰ ﺃﻥ أُحيل والدها للمعاش..
ﻭﺣﺘﻰ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺣﺮﺻﺖ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺟﻬﻨﻤﻴﺔ ﻣﻤﺎﺛﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ… ﻟﻢ ﻳﻈﻬﺮ..
ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻓﻌﻞ بعد ﺴﻨﻮﺍﺕ ؛ وﺃﺛﻨﺎﺀ ﺣﻔﻞ ﺯﻭﺍﺝ صديقةٍ لها ..
ﺭﺃﺗﻪ ﻋﻴﺎﻧﺎً ﺑﻴﺎﻧﺎً – ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺫﺍﺗﻪ ﺭﻏﻢ ﺁﺛﺎﺭ ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ – ﻳﺤﺪﻕ ﻓﻴﻬﺎ بعينين ﺣﺰﻳﻨﺘﻴﻦ..
ولم يبق من جمالهما سوى أثر الماضي..
وعند هذه النقطة ننتقل إلى الحاضر… بسطر جديد..
ونسمع لزوجها ﻳﺨﺘﻢ ﺍﻟﻘﺼﺔ ﻗﺎﺋﻼً (ﻭﺗﻢ ﺍﻟﺰﻭﺍﺝ ﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﺭﻓﺾ…ﺑﺎﺩﺉ ﺍﻷﻣﺮ).. ‏
ﺭﻓﺾ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﺃﻫﻠﻬﺎ ﺑﺴﺒﺐ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺯﻭﺍﺝ له ‏ﻓﺎﺷﻠﺔ..
وذلك فضلاً عن فارق في العمر… هو بحساب التقاليد كبير..
ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﺍﻧﺘﺼﺮﺕ ﻟﺤﺒﻬﺎ – ﻳﻘﻮﻝ – ﺇﻳﻤﺎﻧﺎً ﻣﻨﻬﺎ ﺑـ( ﻗﺪﺭﻳﺔ) ﺣﺎﺩﺛﺔ الشجرة..
و(قدرته) هو على الوصول إليها رغم الحواجز..
حواجز الزمان… والمكان… والأحزان..
بل وحواجز سور حديقتها ؛ رغم كثافة الشجر… وشراسة الكلب… ويقظة الخفير..
وتحل – هنا – محل الشرح ضحكة مجلجلة..
ولكن بعض أفراد أهلها – والحي – يعزون الأمر إلى عوامل غيبية..
وحتى تحديقه فيها من بين الأغصان لم يكن إلا سحراً..
ومن أراد التعرف على بطلة قصتنا هذه فليبحث عن أيقونة غريبة بمواقع التواصل..
أيقونة لا تقل غرابةً عن قصتها نفسها..
وهي الجهنمية !!.

بالمنطق – صلاح الدين عووضة
صحيفة الإنتباهة

شارك الموضوع :

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.