النيلين
صلاح الدين عووضة

جن الديك!!

وهذا اعترافٌ متأخر.. بعد عقود من الزمان… والأحزان.. أحزان ما تبقى من عهد مايو ؛ و(كل) عهد يونيو… وما (تبقى) لنا نحن منه.. ولم يتبق سوى العظم بعد أن نُزع منا اللحم… والحلم..
وما قيمة الحياة إن خلت – قسراً وقهراً – من الأحلام… والأشواق… وعذب الأماني؟.. وهو اعتراف أشرت إليه قبلاً بعنوان معكوس..

أي ديك الجن ؛ قبل أن نعرف أن للديك هذا جنوناً أيضاً… وله من البشر أشباه.. ولا بأس من اجترار بعض ما كنا ذكرنا..
وهو اجترار يماثل فعله – قديماً – زميلنا كمال الصادق… وكان نادرة صحفية.. فهو كان قد وُفق في إجراء حوار مع وزير العدل..
وأقول وُفق لأنه كان شحيحاً – الوزير ذاك – في تصريحاته لأجهزة الإعلام.. فعز على كمال نشر الحوار كله دفعة واحدة..
فعمد إلى (تصبيره) ليُخرج منه كل حين وآخر ما يصلح لأن يكون (طبخة) خبرية.. ولبث على هذا الحال نحو شهرين كاملين..
أو – بعبارة أخرى – إلى أن خلا (الفريزر) من أية مضغة لحم من كلام الوزير.. ولا توصيف لفعلة كمال هذه سوى إنها من جنون الديك..
والآن لنأت إلى ديك جننا ؛ في زمان كثيرٌ مما فيه يذكرنا بالديوك…و الجنون.. أو ديوك الجن……وجنون الديك..
فقد كنا دفعة معجونة بدماء الشياطين في فصل اسمه (غزالي) ؛ بثانوية حلفا.. وكبيرنا – أو إبليسنا – هو الزميل صديق إبراهيم..
ولكنه كان شيطاناً جميلاً ؛ يجيد الغناء… والتمثيل… والتوريط…. وكرة القدم.. وفي يوم بلغ (جِنُّه) هذا تمام كماله فورطنا جميعاً..
فقد غنى لنا خارج الفصل… على غير عادته ؛ أو غنى لنفسه فتبعناه نحن غناءً.. وكان أستاذ الحصة غائباً… وأدوات الغناء حاضرة..
الجن… والحناجر… والطبل ؛ ولم يكن الطبل هذا سوى درج مكسور في الممر.. وفي الممر هذا بدأ الحفل النهاري… الغنائي..
بدأ بجرأة احتار إزاءها إلى اليوم عند تذكُّرها… بأكثر من حيرة مديرنا يوم ذاك.. وانطلق صوت إبليسنا المبدع يغني :
زاهي في زيك في وسامتك ما نحنا عايشين على ابتسامتك
ما انت ريدنا… ما انت ذاتنا ما انت نعمة ومن الله جاتنا…آااه..
وعقب فراغه من كل مقطع تمد خلفه الشياطين مفردة (آه) هذه إعجاباً… و جِنَّا.. ولم يعكر صفو حفلنا ذاك إلا مقدم المدير..
أما الأساتذة فقد بدوا لنا – وقوفاً عند نهاية الممر – مدهوشين… أو مشدوهين.. وربما ظنوا أننا قد جُننًّا جماعياً..
وضرب المدير كفاً بكف – قبل أن يضرب الدرج – صائحاً (انتو شبه غزالي؟!).. وواصل (انتو شبه بشار… أبو نواس… ديك الجن)..
فانفجرنا ضاحكين للاسم الأخير هذا كما لم نضحك طوال فترة دراستنا تلك.. وضحك لضحكنا المدير… رغم إنه لا يضحك..
وصارت المدرسة كلها تردد هذه الأغنية حيناً ؛ فقد (جُنَّت) حتى الفصول العاقلة..
وذهبنا نبحث في بطون الكتب عن ديك الجن هذا..
فوجدناه شاعراً – مثل شبيهيه بشار وأبي نواس – منغمساً في حياة اللهو والطرب..
ولا يأخذ أي قضية في الحياة مأخذ الجد أبداً..
ولا يعجبه من الشعر الغنائي إلا الذي تتحرك له الغرائز… والأرجل… والأرداف..
وشعرنا أن المدير ظلمنا ؛ فلم نكن بكل السوء هذا..
بل حتى الأغنية التي (ضبطنا) نغنيها هي أغنية سامية… وراقية… ومحترمة..
فكيف إذا قُدر له حضور زماننا هذا..
حيث هناك من يفوق ديك الجن شعراً هابطاً… وغناءً ماجناً… ومجوناً مجنوناً..
ومن يفوق الديك – ذاته – عبطاً… وهبلاً… وغباءً..
ومن يفوق جميع الديوك التي اقترن كلٌّ منها بمثل شعبي… في مجال اشتهر به..
ديك العدة… ديك البطانة… ديك المسلمية..
وأشك إن كان ديك الجن نفسه – سيد الاسم – قد سمع بمعكوس اسمه ؛ جناً وتأنيثاً..
فقد بات عندنا (جن الديك)..
و….(الديكة) !!

بالمنطق – صلاح الدين عووضة
صحيفة الإنتباهة

شارك الموضوع :

اترك تعليقا