النيلين
منى ابوزيد

في الناطقين بها..!

“الإنسان بطبيعته حيوان سياسي”.. أرسطو..!

على خلفية أحداث يوم أمس وتواتر التصريحات الرسمية بشأنها، لا بأس من ذكر محمد سعيد الصحاف، الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية أيام حرب الخليج الثانية، الذي ظلّ يتحدّث باستخفافٍ عن هجمات الأوغاد والطراطير والمُرتزقة الذين سيُدحرون كقطعان الخراف أمام جيوش صدام. والذي كان يُواجه كاميرات القنوات العالمية بابتسامةٍ مُستهترةٍ، وهو يبشِّر أحفاد صلاح الدين بأن العلوج قد شارفوا على الانتحار على أسوار بغداد الاعتبارية، بينما كانت القوات الأمريكية تحتل مطار بغداد..!

لقد تحوّل الصحاف بزيِّه العسكري وأكاذيبه الجريئة اللا مبالية إلى أيقونة صُمُود لها مقدرات خرافية على زعزعة ثقة العالم في صحة ما يُشاهده بأم عينه على شاشات التلفزة، من خلال التلاعُب بالألفاظ.. الدبابات الأمريكية تتوغّل في شوارع بغداد وهو يبتسم في ثقةٍ بين أعمدة الدخان، ثُمّ يخبر العالم بأن مدينته آمنة، وبأنّ المئات من “عصابة الأوغاد الدولية” يُقتلون ويُسحلون خلف أبواب المدينة.. حتى إذا ما انطفأ آخر سراج.. وسقط آخر حجر.. وانقشعت سحب التصريحات المُضللة.. رأى العالم بغداد.. حزينة.. كسيرة.. مُغتصبة.. بعيدة كل البُعد عن أمجاد الصحاف الكلامية.. وخالية – بعد هذا – من أيِّ أثرٍ له..!

لكن الذي يُحمد للرجل وللسلطة التي كان يمثلها أنه كان الناطق الرسمي الوحيد، بتصريحات مُتّسقة مع طبيعة الموقف الرسمي والخطاب الإعلامي، وإن كانت ناصية الصحاف وهو يطلق تلك التصريحات ناصية كاذبة خاطئة..!

أيام حكم الإنقاذ ناقشت صحف الخرطوم – مراراً وتكراراً – حكاية التصريح الرسمي، فالحصول على معلومة صحيحة دقيقة عبر تصريح من مصدر رسمي موثوق ليس ترفاً إعلامياً، بل ضرورة ديموقراطية يخول غيابها للمُحتج مُقاضاة الدولة على ذلك التقصير. ورغم تسلُّح بعض الوزارات – أيّام حكومة الإنقاذ – بناطقين رسميين، إلا أنّ تنازُع السُّلطات فيما يختص ببعض التصريحات ظَلّت لعنة تُحيق بها..!

يوم أمس لاحظت أنّ السيد وزير الإعلام والناطق الرسمي للقوات المسلّحة قد أسميا ما حدث – من قِبل بعض منسوبي جهاز الأمن من إطلاق نار – بالتمرُّد، بينما أسماها الناطق الرسمي باسم جهاز الأمن “احتجاجات”. أما بعض وسائل الإعلام العربية فقد نقلت اتّهامات الفريق “حميدتي” لمدير جهاز المُخابرات السابق “صلاح قوش” بتنفيذ مُخَطّط تخريبي..!

والمُلاحظ أيضاً هَرَع مُعظم الناس – يوم أمس – نحو بعض القنوات الإخبارية العربية للوقوف على تفاصيل ما يحدث، ولتمحيص الحقائق بعيداً عن بُطء أو شطط التصريحات المحلية. وتلك لعُمري وراثة مُبكِّرة لذات الداء الإعلامي المقيم. والحقيقة أنّ التأصيل الصريح والنّزيه لهذه الظاهرة يقتضي أن نستصحب “عشوائية الطرح” كثقبٍ كبيرٍ في ثوب الممارسة السودانية للسُّلطة، وكعاملٍ أصيلٍ وسببٍ رئيسٍ في مُعظم خيباتها الإعلامية..!

تفاوت التّصريحات الحكومية حيناً، وتنازعها أحياناً آفة كبرى. فالقاعدة العالمية تقول إنّ لكل كيان ناطقاً يتيماً باسمه لا يَتَضَارَب مَا يَنطق به مع ما يَنطق به ناطقون رسميون آخرون، عندما يتعلّق الأمر بحدث قومي واحد لا شريك له. فما بالك بتضارُبها، ثم ما قولك في غيابها..؟!

كل الدلائل تشير إلى أن مُكوِّنات هذه الحكومة بحاجة إلى وحدة صف إعلامية – قبل الشعب – وأنّ إعلام ما بعد الثورة بحاجةٍ إلى إذاعة بيانات السكوت في معرض الحاجة إلى البيان..!

مُنى أبوزيد

صحيفة الصيحة

شارك الموضوع :

اترك تعليقا