الطاهر ساتي

التربويون..!!


:: مَا يُمَيِّز أداء وزارة التربية والتعليم هُو نَهج الشفافية ثُمّ رُوح الثورة، أي الرغبة في التغيير.. فالمُؤتمر العَام لأصحاب المصلحة، الذي نَظّمته وزارة التعليم بولاية الخرطوم، بحُضُور وزير التربية والتعليم محمد الأمين التوم، من أفضل مُؤتمرات هذا القطاع في العُقُود الأخيرة.. بعد أن وَضَعَ يده على الجراحات، طالب المؤتمر بتغيير المناهج، بحيث تَكُون جَاذبةً وقَوميةً، وإعادة السلم التعليمي (6/3/3)..!!

:: ثُمّ تدريب المُعلِّمين وإعادة المعاهد، وتقليل حجم الكتاب المدرسي، مع ضبط حصص اليوم الدراسي، بحيث لا تتجاوز (ست حصص)، ثُمّ إدخال مادة التربية المدنية وإلغاء التربية العسكرية، وإعادة فُصُول اتّحاد المُعلِّمين بالفترة المسائية، مع تحديد نوع المَسَاق للتلاميذ – علمي، أدبي – اعتباراً من الصف الثاني.. وكانت (أُم التوصيات)، وهي إلغاء المُسمّاة بالمدارس النموذجية..!!

:: لقد أحسن مُؤتمر أصحاب المصلحة عملاً، حين أوصى بإلغاء الظلم المُسمّى بالمدارس النموذجية، وفي هذا الإلغاء ترسيخٌ للعدالة.. وكتبت الأقلام كثيراً، وناشدت كثيراً، ولكن لم تكن هُناك حياة لمن تُناشد.. فالسادة بالنظام المخلوع، منذ عقد ونيف، بلا أيِّ دراسة وبلا مُراعاة للجوانب النفسية للطلاب وأُسرهم، وبلا امتثالٍ للمبادئ الأخلاقية، ارتكبوا جريمة تقسيم المدارس إلى (نموذجية) و(جُغرافية)..!!

:: فالمدارس النموذجية، بدعة ابتدعتها الخرطوم في العام (1994 – 1995).. واستوعبت فيها الطلاب المُتفوِّقين في امتحانات مرحلة الأساس، لتُنافِس بهم طلاب المدارس الخَاصّة في امتحانات الشهادة السودانية.. قانونياً وأخلاقياً، ليس هُناك مَا يَمنع جَمع المُتفوِّقين في مدارس مُسمّاة مُحدّدة.. ولكن، ليس من العدل ولا مكارم الأخلاق، أن تتفرّغ سُلطات التعليم لهذه المدارس النموذجية، بحيث تشرف عليها وتُراقبها، ثُمّ تمدّها بكل عوامل (مناخ النجاح)، ثُمّ تَدَعَ المنسيين في المدارس الجُغرافية لضنك التعليم و(مناخ الفشل)..!!

:: (الطلاب ذوو المُستويات الأدنى يُؤثِّرون على الطالب المُتميِّز ويضعفون مُستواه، والصفوة المُتميِّزة عندما تكون مع بعضها تسير إلى الأمام)، هكذا الفكرة الخبيثة التي تتكئ عليها المدارس النموذجية.. فالتلميذ القادم من مرحلة الأساس، والمُسمّى بالمُتميِّز، إلى مدرسة ثانوية حكومية نموذجية، يُحظى بالإدارة المهنية والكادر المُؤهّل والكتاب والأنشطة الثقافية خَصماً من ميزانية الدولة التي يُساهم فيها كل أفراد الشعب.. أي يُحظى بالاحترام والثقة والعَظَمَة، فينجح وتتصدّر مدرسته قائمة (الأوائل)، وهذا حَقٌ مَشروعٌ للطالب والمدرسة..!!

:: ولكن الطفل الآخر، والقادم من مرحلة الأساس أيضاً، إلى مدرسة ثانوية جُغرافية، فإن وجد المُعلِّم لا يجد الكتاب، وإن وجد الكتاب لا يجد الفصل، وإن وجد الفصل لا يجد المُعلِّم، وهكذا.. أي لا يجد الاحترام والثقة.. وعندما تتباهى سُلطات التعليم بدخول بضعة طلاب بمدارس نموذجية في قائمة المائة الأوائل في الشهادة السودانية، فإنها تتناسى بأنّها ظَلَمَت آلاف الطلاب بالمدارس الجُغرافية، وهضمت حُقُوقهم، وذلك بحرمانهم من عوامل التفوُّق وبهدم أضلاع مثلث النجاح على رؤوس طُمُوحَات أُسرهم..!!

:: ومع هذا التصنيف غير التربوي، تُوجد ظاهرة (غير تربوية أيضاً)، حيث هُناك مدارس نُموذجية تقبل أعداداً قليلة من الطلاب المُتفوِّقين (مَجّانَاً)، ثُمّ تُخصِّص مقاعد – أو فُصُولاً كَاملة – للقُبُول الخَاص، أي تتّخذ الطلاب المُتفوِّقين (طُعماً) تصطاد بهم طلاب القُبُول الخَاص، وهذا غير أخلاقي.. إن كانت ثمة مقاعد إضافية في المدارس، فالعدالة تقتضي رفع الحد الأدنى للقُبُول، بحيث تستوعب تلك المقاعد المَزيد من الطلاب النّاجحين (مَجّاناً)، بدلاً من بيعها (لمن يدفع).. وعليه، شُكراً للبروفيسور محمد الأمين التوم، وفريق العمل، على نهج الشفافية ورُوح الثورة..!!

الطاهر ساتي

الصيحة

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *