عبد اللطيف البوني

حاطب ليل


(1 )

من الرواسخ الأكاديمية في ذهن أي سوداني ما جاء في مادة التاريخ عن أسباب غزو محمد علي باشا (1821 ) للسودان التي هي البحث عن المال والرجال وبالطبع محمد علي باشا لم يأت بالمعلومات عن السودان من رأسه بل من كراسه فالسودان عند كل البيضان (سكان شمال الصحراء إلى البحر الأبيض المتوسط) هو البلاد التي تمور بجوفها المعادن النفيسة خاصة الذهب (المجمر من بني شنقول) والرجال الأشداء الأقوياء المطيعين لذلك أراد ذلك الباشا الألباني أن يفتك من سلطة الخليفة العثماني ويبني نهضة حقيقية في مصر ثم منها ينطلق ليكون سيدا من سادة العالم ليكون له (اسما وذكرا )

(2 )

رغم خطاب سلطان سنار الناري لمحمد علي باشا (لا يغرنك انتصارك على الجعليين والشايقية فنحن الملوك وهم الرعية اما علمت أن سنار …) إلا أن الباشا لم يجد مقاومة تذكر في احتلال السودان رغم مرارة حادثة المك نمر الدامية ثم زار الباشا السودان 1848 فوصل فازوغلي وخاطب جموع السودانيين طالبا منهم أن يحمدوا الله ويشكروه على أنه سخر لهم الباشا (الذي هو نفسه) ليخرجهم من غيهب الجهل لأنوار المدنية كما فعل قبلهم مع المصريين الذين ينظرون له على أنه رسول العناية الإلهية . السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم يفكر محمد علي في إقامة دولة قوية في السودان وإن لم يستقر فيها لتكون سندا للدولة المصرية ويقيم الإمبراطورية التي كان يسعى إليها ؟ ببساطة لأن نظرته للسودان هي أرض المال والرجال القابلة للاستنزاف وليس لإقامة حضارة ومدنية فيها بعبارة أخرى إنها أرض الموارد القابلة للاستنزاف وليس للتعمير، ليست أرضا يبابا ولكنها أرض دليب ترمي بظلالها بعيدا عن جذرها وساقها.

(3 )

بعد أقل من عام سيكون قد مر على غزو محمد علي باشا للسودان قرنان بالتمام والكمال وللأسف الشديد سوداننا ما زال هو أرض المال والرجال وما زال هو أرض الموارد القابلة للاستنزاف وليس الأرض القابلة للتعمير بعبارة ثالثة مازلنا نصدر المال والرجال وبلادنا في أدنى سلم النمو والتطور الرفاهية . اليوم العلينا دا أرض السودان تجاوزت جنوب إفريقيا في إنتاج الذهب خليك من الموارد الأخرى أما عن رجال السودان ففي سودان اليوم أكثر من خمسة ملايين مهاجر ومغترب وكلهم من الأقوياء الأشداء بكافة المعايير من الذين يحملون السلاح في ليبيا واليمن إلى الأطباء المهرة الذين ماتوا وهم يقفون في الخط الأول لمحاربة الكورونا في بلاد الغير . الذهب يخرج من بلادنا تهريبا ليعود علينا بالساحق والماحق أولادنا يعودون علينا في توابيت وبلادنا تشكو الفقر والفاقة إنها أرض النزف وليست أرض العمار.

(4 )

يا بني السودان إما آن لنا أن نجلس على الأرض ونراجع أنفسنا ونسألها قائلين إلى متى تظل بلادنا أرض المال والرجال القابلين للترحيل ؟ متى يا جحا تاكل لحم تورك ؟ السؤال للنخب عامة والنخبة السياسية بصفة خاصة إلى متى تظلين سادرة في غيك وخصوماتك وتصفية حساباتك وموارد بلادك مهدرة ؟ خطة سياسية متواضعة وقصيرة الأمد (بضع سنوات ) لا تحتاج إلى عباقرة يمكن أن تجعل (زيتنا في بيتنا) وتنهض ببلادنا لتصبح (علما بين الامم ) يتفيأ ظله عجائز وكهول اليوم ناهيك عن شبابنا و(أطفالنا السمر يبقوا أفراحنا البنمسح بيها أحزان الزمن)

عبداللطيف البوني
السوداني

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *