رأي ومقالات

معتصم الأقرع: الان يغادر البدوي الذي قام بالعمل الشاق الخطر وتحمل اللوم وحيدا


الرماديون الذين تركوا البدوي وحيدا:
كان وزير المالية المغادر واضحًا دائمًا وكان لديه الشجاعة لتبني سياسات مثيرة للجدل وأحيانًا لا تحظى بشعبية والدعوة لها وتنفيذها. وهو الوزير الوحيد الذي كان لديه رؤية وبرنامج أتسما بالوضوح نشرهما مرارا وتكرارا قبل تعيينه. وقد كان دائمًا واضحًا في معتقداته بشأن إصلاح الاقتصاد قبل أن يصبح وزيراً وكان متسقًا ، ولم يمجمج أو يتظاهر بعكس ما اعتقد وانتوي. وكل هذا الوضوح والشفافية رصيد إيجابي للسيد الوزير. فقد ندر وجود وزيرا آخرا لديه رؤية أو برنامج صريح أو الشجاعة لاتخاذ موقف سياساتي لا يحظى بشعبية.

كانت قحت تعرف تمامًا أفكار الدكتور البدوي قبل اختياره لأنه كتبها ونشرها كثيرا. ومع ذلك اختارته ووافق عليه السيد رئيس الوزراء لأنهم اعتقدوا أنه الرجل المناسب لتطبيع علاقات البلاد مع مراكز المال العالمية ، القضية التي لا تزال على رأس أولوياتهم.
ولعبت قحت وموزعي كراسيها لعبـة تفتقد المبدئية مع الدكتور فقد أرادوا ثمار التطبيع مع مراكز المال العالمي لكنهم لم يرغبوا في دفع الثمن السياسي الواجب خصما علي الإجماع الداخلي حولهم ، واختاروا ان يدفع الدكتور البدوي وحده الثمن . فمثلا رغم اتفاق حزب المؤتمر السوداني وحزب والأمة مع وصفة الدكتور البدوي إلا أن قادتهما نكصوا عن الدفاع عن الوزير المحاصر بالوضوح والحيوية اللازمة. ولعبت الحكومة وكبار قادتها في المجلسين نفس اللعبة. فقد أرادوا جميعًا أن يغوي الدكتور البدوي مجتمع المال العالمي نيابة عنهم وأن يدفع الثمن السياسي وحده بما يتيح لهم المحافظة علي مظهر شعبوي خداع.

ووقع معظم المعلقين الذين عارضوا السياسات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة في نفس الفخ فلاموا دكتور البدوي عندما كان الموقف الصحيح هو إلقاء اللوم على كامل الحكومة وليس على فرد لا يرأسها. كانت اللجنة الاقتصادية لقحت على رأس هذا المضمار فقد أدانت السياسات الاقتصادية وكأنها ملكًا للدكتور وكأن الحكومة في أعلى مستوياتها لا علاقة لها بالأمر.وتعاملت اللجنة وكأنه لا وجود لنيوليبرالي في الحكومة أو في أحزاب قحت غير الدكتور الواضح.

الان رحيل الدكتور البدوي سيعرض قيادات الحكومة إلى العواصف التي تستحقها. لقد فقدوا الرجل الذي تحمل الرماح والملام نيابة عنهم ، الرجل الذي لم يهاب اتخاذ موقف واضح ومتسق بغض النظر عن الاتفاق أو الاتفاق معه . يمكننا أن نختلف مع رؤية الدكتور البدوي ، وقد فعلت ذلك حد السأم ، ولكن يجب الاعتراف بأنه , عكس معظم الوزراء, كان له رؤية عرضها بشفافية ودافع عنها بـشجاعة . بالنسبة لي ، هو يستحق من الاحترام اكثر من الرماديين الذين لا رؤية لهم ولا موقف ، ولا شجاعة ولا قدرة على المخاطرة بـاتخاذ مواقف واضحة تهدد شعبيتهم غير المستحقة. صاحب الموقف الواضح كالدكتور البدوي أكثر احتراما من أولئك الذين يختبئون ويحاولون دائمًا إرضاء جميع ألوان الطيف السياسي فأحباب الكل لا يحبون أحد غير ذواتهم.
.
الان يغادر الرجل الذي قام بالعمل الشاق الخطر وتحمل اللوم وحيدا . ستفتقده قيادات الحكومة وقحتها. الذين اختبأوا خلفه عليهم الآن مواجهة الموسيقى وتحمل الكلفة السياسية لخياراتهم لأنه يستحيل إرضاء الجميع في الداخل والخارج.

د. معتصم الأقرع

تعليقات فيسبوك


تعليق واحد

اترك رداً على ود بندة إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *