رأي ومقالات

محمد عثمان إبراهيم: مع السلام وضد الاتفاقيات ٢-٢


خلصنا في الجزء الأول إلى ان اتفاقيات السلام التي تم التوصل إليها في جوبا لم تكن سوى مواثيق لتحالفات مع (متبطلين) ينتظرون تسكينهم في وظائف سياسية لا تشترط في المتقدمين لها التأهيل أو الكفاءة أو حسن السير السلوك.
طرفا اتفاقيات سلام جوبا ليسا في حالة حرب وإنما هم في حالة وئام وتناغم وتصالح واتفاقيات السلام لا تعقد بين الحلفاء وإنما تعقد بين الخصوم. محادثات السلام التي ظلت تدار في عاصمة جنوب السودان بعيد سقوط نظام البشير ظلت تدور بين قائد قوات الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة ممثلاً للحكومة وبين حركة عبدالعزيز الحلو المتمردة في جبال النوبة من جهة، وما يسمى بالجبهة الثورية المعارضة من جهة أخرى.
بالنسبة للتفاوض مع الحلو فقد حقق له كل ما يريده في المرحلة الحالية من رفع للحصار إذ صار بوسعه الحصول على الأغذية والأسلحة والدواء بواسطة الجهات الممولة بالطائرات دون الحاجة إلى كشف المنقولات بواسطة حكومة السودان إضافة إلى أنه حصل على الإعتراف الرسمي كحاكم لمناطق جبال النوبة بعد زيارة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك لكاودا ووقوفه تحت علم الحركة المتمردة. كان القرار الرمزي الكبير خطيراً وخاطئاً استغل ارتباك مؤسسات الدولة ووهنها وضعف القائمين عليها.
أما بالنسبة للأطراف الأخرى فتضم حركات جبريل إبراهيم ومني مناوي وعبدالواحد نور وبعض الفصائل المنشقة عنهم والذين قامت قوات الدعم السريع أصلاً بهزيمتهم في ميدان الحرب وأفضت بهم إلى التحول إلى مكاتب للتدخل في الحرب الليبية مقيمة في جوبا. إضافة إلى هذه الحركات هناك تنظيمات لا وجود لها إلا في مخيلة قادتها/ وهم نفسهم عضويتها مثل حركة عقار-جلاب- عرمان التي انشق عنها أردول وحصل على وظيفة يسيل لها لعاب الوزراء.
وحركة التوم هجو التي تضمه هو وإبراهيم عدلان (الذي تولى منصب مدير سلطة الطيران المدني) ولست أدري كيف يمكن لدولة أن تأتي بمتمرد لتولي منصب حساس كهذا فور عودته إلى البلاد! وهناك حركات متمردي شرق السودان التي تم توليدها في أنابيب جوبا والتي لا وجود لها في الشرق، وحركة كوش التي تزعم مهزلة مفاوضات جوبا أنها تمثل شمال السودان.
لقد أثارت هذه الإتفاقيات الكثير من عواصف السخرية والهزل في منصات الإعلام الجديد لكن يبدو أن الأمر يحمل ملمحاً جدياً إذ كشفت الزميلة (التيار) أن حكومة السودان (الفقيرة) قد دفعت مبلغ ١٠ مليون دولار نقداً لوفد الوساطة من جنوب السودان والذي زار الخرطوم الأسبوع الماضي لتمويل مراسم التوقيع ونثريات الوفود. يعني هذا أن حكومة جنوب السودان ليست وسيطاً بل هي في الواقع تدير (مقاولة) لصالح حكومة السودان تدفع بموجبها الأخيرة طعام وسكن ونثريات حلفائها الذين يفاوضونها في صورة الخصوم. هذا فساد وهدر للمال العام و-معذرة- سفه.
***
الخلاصة هي أن #اتفاقيات_السلام المزعومة هذه لن تحقق السلام وإن قادتها سيأتون إلى الخرطوم للحصول على مناصب فيما سينخرط جيل جديد من المتبطلين أو الطامحين في صناعة حركات تمرد جديدة يتفاوضون بها مرة أخرى مع حكومة السودان. هل رأيتم اعتصام نيرتتي؟ فور استجابة السلطات له وخضوعها للمطالب – وهي. مطالب عادلة في أغلبها – انتشرت الإعتصامات في مشارق السودان ومغاربه فقد عرف الناس الوسيلة الجديدة للضغط على السلطات وكذا ستكون الحركات المسلحة.
ينبغي على مفوضية السلام تولي الأمر وفق أطروحة جديدة تلغي عملية المفاوضات نهائياً كبحاً لاستشراء ثقافة القتل والخطف والنهب والإجرام تحت غطاء سياسي بحيث يتم إصدار قانون للسلام الوطني ويقر بإستفتاء شعبي ليمنح العفو العام لحملة السلاح خلال فترة معينة شريطة الإقرار والتخلي عن النشاط وتتكفل الدولة باستيعاب التائبين على نحو فردي في المجتمع. هذا القانون سيوفر الكثير من الرشا السياسية التي تمنح للقادة (مثل العشرة ملايين دولار السابقة) وسيضمن وصول الإصلاح لمستحقيه مباشرة.
إن السلام بحاجة إلى #تفكير_جديد يتجاوز عقلية صناعة التحالفات السياسية وفضها فأغلب الذين تتفاوض السلطات معهم في جوبا هم مجرد باحثين عن الوظائف السهلة وقعوا من قبل اتفاقيات وحصلوا على وظائف ثم عادوا للعبة التمرد المفضلة فور انتهاء أجل توظيفهم، وغداً سيخرجون.
من ألأفضل أن تعينهم السلطات من خلال مفوضية السلام على الاستقرار والحصول على وظائف مناسبة وفق مؤهلاتهم، وهذا أقصر الطرق لحل مشكلاتهم فإن قبلوا فهذا هو المراد، وإن أبوا فإن على الحكومة واجب حماية السلام والإستقرار والدستور.

محمد عثمان إبراهيم

#الصيحة ١٢ يوليو ٢٠٢٠م

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *