رأي ومقالات

المنشور (21/ 2020): من إهدار المال لإهلاك الأنفس! غياب المؤسسات الرقابية وفقدات حس المسؤولية


(1) هذه سابقة تاريخية، وحادثة نادرة، و المسماة المنشور (21 /2020) والذي اصدره بنك السودان المركزي يوم ١٧ سبتمبر ٢٠٢٠م، والقاضي بتضمين مدخلات إنتاج صناعة التبغ والسجائر ضمن السلع الضرورية، وتخصص لها نسبة من (حصائل الذهب والسلع الأخرى).
ومن خلال تفكير ومنطق حكومة د. حمدوك الإنتقالية استيراد مدخلات أخطر الصناعات في ذات القائمة والأولوية مع استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية، فهل هناك أخطر من هذه المجموعة الحاكمة على مواطنينا والنشء، لقد أصبح الخطر متجاوزا الموارد الشحيحة إلى إهلاك الأرواح والأنفس، علما بأن الحكومة لم تستورد أي دواء خلال ٧ أشهر ماضية!
والغريب ان توصية ادراج التبغ والسجائر، جاءت بتوصية من وزارة الصناعة والتجارة بناءا على خطابهم بتاريخ ١٥ سبتمبر ٢٠٢٠م، ومن الواضح أن الأمر لم يخضع لأي دراسات ومراجعات وتشاور لإن المنشور صدر بعد يومين فقط من التوصية، ووزارة التجارة هي ذاتها المسؤولية عن تدابير وفرة القمح ودقيق الخبز، فأي مصيبة هذه!
(2)
أن هذا القرار لا يصادم الأولويات المحلية والإهتمامات الوطنية فحسب، بل يتعارض مع التوجهات العالمية والجهود الدولية ويناقض كل التدابير العالمية ومنها برنامج التدابير الستة، والذي اصدرته منظمات الصحة العالمية عام ٢٠٠٧م، ومنها زيادة الضرائب وحماية الناس، بينما حكومتنا توفر حماية خاصة، وتعرض أرواح مواطنينا للإهلاك والموت البطيء.
لقد أصدرت منظمة الصحة العالمية تحديثات يوم ٢٧ مايو ٢٠٢٠م، أوردت فيها ان ٨ ملايين شخص يموتون سنويا بسبب التبغ والسجائر وان ٨٠٪ منهم من الدول ذات الدخل المنخفض، ليس ذلك فحسب بل أشارت إلى أن زيادة الضرائب بنسبة ١٠٪يؤدي إلى تخفيض الإستهلاك بنسبة (٤-٥٪)
(3)
لقد وقع السودان في يوم ١٠ فبراير ٢٠٠٤م على الإتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ، ضمن ١٨٢ دولة أخرى، وقد اعتمدت هذه الإتفاقية في مايو ٢٠٠٣م َتلتزم الدول بحزمة من الإجراءات في إطار تقليل اثر التبغ، ويبدو ان قراءة المواثيق الدولية والإتفاقات غائبة عن ذهن بعض المسؤولين هذه الأيام، وعقدت إجتماعات متعددة مع أطراف سودانية لإنفاذ الإتفاقية وفي نوفمبر ٢٠١٨م أجاز مجلس الوزراء الإتحادي قانون مكافحة التبغ، وظلت الحكومة تزيد من الضرائب والجمارك على وارداته ومدخلاته رغما عن دعاوي البعض بأهميته كمورد إقتصادي، وذلك لقناعة ان النفس الإنسانية أكرم من عائد نقدي!
بل هناك إدارة متخصصة في وزارة الصحة بولاية الخرطوم اسمها (إدارة مكافحة التبغ)، وهى امتداد لجهود اثمرت قانون مكافحة التبغ الذي أجازه مجلس تشريعى ولاية الخرطوم ٢٠١٢م وتضمن إجراءات منها تقليل نسبة النيكوتين من ١.٨ ملجرام إلى ٠.٦ ملجرام وإنشاء محارق خاصة.
إنني أعيب علي منظمات حماية المستهلك والجمعيات الصحية والخبراء في المجال الصحي وكل المهتمين بالنشء والأجيال الجديدة، ضعف تفاعلهم مع خطورة هذا المنشور الذي يفسح المجال لهذه الصناعة ويشجع عليها ويصنفها من المدخلات الضرورية، في وقت نشهد ندرة في أدوية منقذة للحياة وامصال السموم، إنها فضيحة تستلزم الوقوف ضدها، ومحاسبة كل شريك يسترخص أرواح شبابنا واطفالنا.. َيوظف مواردنا المحدودة فيما يقتل الأرواح ويسبب الأسقام.. والله المستعان.

د. إبراهيم الصديق على



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *