هشام الشواني: للديمقراطية أوهام

في هذه الظروف الإقتصادية مع بؤس الحياة الإجتماعية واستحالتها على الكثيرين، فإن الديمقراطية غير ممكنة إطلاقاً. ستظل الديمقراطية في هذه الحالة مطلباً طبقياً يُمثل مصالح وأفكار الطبقة العليا. هذه الحقيقة لها جذور تاريخية حين نعود لتشكل السودان الحديث على يد المستعمر حيث مثلت الطبقات القديمة و أعيان المدن و أبناء البرجوازية التجارية و قيادات الطوائف في أسر الزعماء، مثَلت تلك الفئات بداية الحياة السياسية الحزبية في السودان والتي رفعت شعار الديمقراطية. في حين عكست مؤسسة أخرى مهمة بدأت منذ ما قبل الإستقلال و أعني مؤسسة الجيش عكست هذا المؤسسة مصالح و تطلعات أبناء الريف و الأقاليم البعيدة و من هم على هامش المدن. مثًل الجيش وسيلة للترقي المهني والمادي و الإجتماعي منذ أيام اللواء الأبيض وحركة 24 أبريل مع وعي وطني و قومي أكثر تجذرا و شمولا من بقية المكونات السياسية الحزبية، التي كانت منقسمة ليسار و يمين وهما تياران لم ينجحا في بلورة شعور وطني. أو كانت من النخب التقليدية الطائفية و أحزاب الوسط بسلوكها السياسي الرجعي التي فشلت هي الأخرى في بلورة مضمون حيوي يُغذي الوطنية السودانية رغم ارتكاز هذه الأحزاب على قواعد إجتماعية أكبر من اليسار واليمين.

تلك المُقدمة تُعبر عن الجذور التاريخية للدور الإجتماعي للجيش و مكانته من النخب السياسية الحزبية المدنية، يُمكننا القول أنه وفي غياب التنمية الإقتصادية وشروط الاقتصاد الإنتاجي فإن الديمقراطية ستمثل أيديولوجيا الطبقة الحضرية المتعلمة المستفيدة تاريخياً من مؤسسات الدولة. كذلك ستمثل مصالح النخب السياسية و قادة الحركات المُسلحة لأنهم في الحقيقة لايُمثلون الهامش بل هم جزء من الطبقة السياسية الأقرب للسلطة و الثروة. في هذا الحالة لا يُمكن الحديث عن هذه الديمقراطية بإعتبارها ديمقراطية ليبرالية ولكنها أيديولوجيا تُقرب هؤلاء من الحكم تحت دعاوى الإنتقال الديمقراطي و التحول الديمقراطي، بلا مشروع وطني سياسي و إقتصادي. نقاط قوة هذه الفئات تكمن في القبول العالمي والإقليمي لها لأنها تُمثل الحارس الأمين لمصالح الغرب و منظماته ومصالح بعض القوى الإقليمية في الخليج كذلك من نقاط القوة تلك الصوابية السياسية التي فرضها وعي ثورة ديسمبر الزائف الذي يحتاج لنقد فكري و مراجعة عميقة.

من الخطورة إنتشار أيديولوجيا الديمقراطية بطريقة الذين يحكمون اليوم، لأنها دعاية زائفة فارغة من مضمون مادي في صالح الغالبية. ماهو البديل إذن؟ هل هو الحكم العسكري الشامل؟ هذا الخيار غير ممكن وغير مقبول، غير ممكن لأن الدعاية قد هيمنت على الوعي السياسي الجمعي وتمت شيطنة القوات المسلحة من كل دور سياسي، كذلك بسبب تحول بنيوي داخل مؤسسة الجيش يتمثل في تضخمها و بالتالي صعوبة سيناريو الإنقلاب. وغياب الضباط المُسيسين و المُؤدلجين بعد حقبة طويلة من التسييس و تجنيد العناصر العسكرية لصالح أحزاب و أيديولوجيات. كذلك بسبب بروز الجيوش الموازية بداية من قوات الأمن ولغاية الدعم السريع وهي قوات ذات علاقة معقدة بالجيش. العالم حاليا لن يسمح لهذه المؤسسة أن تحكم منفردة بالشكل العسكري القديم الذي هو الآخر أثبت فشله في تجربة مايو و تجربة الإنقاذ لذلك فهو خيار غير مقبول. يسعى العالم و القوى الإقليمية لإضعاف المؤسسة وتمكين نخب سياسية بلا شرعية ديمقراطية ستطبق مشروع تبعية السودان للخارج الإقليمي والدولي. العالم يسعى لمنع مؤسسة الجيش من كل دور وطني – الدولة الثكنة – ليكون دورها تابع لدور النخب الليبرالية بنت الطبقة العليا في السودان والتي تُمثلها حكومة المدنيين بقيادة عبد الله حمدوك. على ذلك فإن إتفاقية السلام وترتيباتها الأمنية جزء من خطة إضعاف هذه المؤسسة لصالح حركات بوعي ليبرالي تابع للمجتمع المدني الغربي، حركات تتوسل الأيديولوجيات العرقية والعنصرية لتشرعن بقائها، ولكنها في ذات الوقت تقوم بسلوك رجعي عنيف كما يظهر من إنتهاكات عبدالواحد النور لحقوق الإنسان وحقوق المخالفين داخل حركته عبر التصفية والتعذيب.

لاتزال مؤسسة الجيش هي الحصن الأخير للوعي الوطني القومي لتوحيد البلاد. وهي المؤسسة الأقرب لتبني سياسات في صالح الطبقات الفقيرة والوسطى الكادحة وهي في نظري ليست مضادة جوهريا للديمقراطية. ولكنها يُمكن أن تدعم ديمقراطية من نوع مختلف عن هذه التي تتشدق بها النخب السياسية الليبرالية الحاكمة اليوم.الحل السياسي يستلزم شراكة بين أطراف عديدة تؤدي واجباً وطنياً. الطرف الأول هو الشعب السوداني الذي تعكس إرادته انتخابات نزيهة و الطرف الثاني هو المثقف الوطني المسؤول الذي سيكشف الزيف ويواجه شروط الإعلام المضللة و الأفكار التي تؤدي لتقسيم السودان و مواجهة جدلية الهدم و التفكيك لصالح جدلية البناء و الوحدة و التركيب ومفهوم المثقف الوطني مفهوم عابر طبقياً وليس حصرياً على طبقة محددة. الطرف الثالث هو المؤسسة العسكرية بدورها الوطني و قواعدها الإجتماعية و الطبقية التي تمثلها.

✍🏾هشام عثمان الشوَّاني
صحيفة الديمقراطي

Exit mobile version