عبد اللطيف البوني

هدف ذهبي


(1)
إن نسيت لن أنسى الاستغراب الذي كان يعتلي وجوه زملائنا الأساتذة العرب عندما كنا نحدثهم ونحن في الاغتراب عن الشهادة السودانية (الثانوية الآن)، وعن عدالتها وكيف أنها تأتي من بنسبة مائة في المائة من امتحان قومي لا فيهو شق ولا طق، وكيف تصحح وكيف يتساوى في الحصول عليها ابن الغفير وابن الوزير، وكيف أنه يمكن أن يعاد امتحان مادة إذا طالها التسريب أو كشفت عن طريق الخطأ وفي كل أنحاء السودان. ونحمد الله كثيرا أن هذه الشهادة ظلت كما هي صامدة ومنيعة رغم كثرة المتغيرات ورغم أن الخراب طال الكثير من النظم والمؤسسات الموروثة من الاستعمار. فألف تحية وتعظيم سلام لمؤسسة امتحانات السودان بمختلف الأسماء والأشكال التي اتخذتها. نعم عدم المساواة طال المدارس الثانوية فهناك المدرسة خمسة نجوم وهناك مدرسة ناس قريعتي راحت، وطال الدخول الجامعات فهناك القبول الخاص وقبول أبناء العاملين والجامعات الخاصة ولكن الشهادة الثانوية ظلت كما هي واسطة عقد محافظة على عدالتها ونزاهتها.
(2)
مناسبة هذه الرمية هو انتهاء امتحانات الشهادة السودانية للعام الدراسي 2019 -2020 يوم الخميس الماضي بعد أن تعرضت لتأجيل طويل بسبب جائحة الكورونا، ثم حدوث الفيضان الرهيب ساعة قيامها وفوق هذا وذاك لابد من استصحاب الأوضاع السياسية المضطربة التي تعيشها البلاد. أصدقكم القول انني شخصيا كنت أضع يدي على قلبي خوفا على هذه الامتحانات الأخيرة ليس لأي سبب خاص، فالأسرة الصغيرة تجاوزت هذه المرحلة من زمن بل لأنها هذا العام لها انعكاسات قومية هامة كان خوفي كان على أشده على أن يطرأ أمر لهذه الشهادة كمانع طبيعي او عمل تخريبي كتسرب امتحان أو انتهاك أمني لأحد مراكز الامتحانات.
عليه لابد من رفع القبعات لوزارة التربية التي أقامت معسكرات إيواء لأكثر من أربعين ألف تلميذ، ولابد من رفع القبعات للقوات المسلحة وهي تنقل الامتحانات بالمروحيات عندما انقطعت الطرق البرية وقوات الشرطة والدعم السريع، ولابد من الإشادة بالمجتمع أي المواطنين الذين تكاتفوا مع المنكوبين والذين قاموا بنقل التلاميذ من والى مراكز الامتحانات مجانا وفوق كل هؤلاء يأتي الأساتذة المدرسون فخرنا وتاج رأسنا.
(3)
في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة وإعلان حالة الطوارئ والتسيب اللامبالاة في دواوين الدولة والضعف العام في المؤسسات الحاكمة وكافة المؤسسات السياسية والتدخلات الخارجية الاستخبارية والتربصات والتخوين السائد فلو لا قدر الله حدث أي خلل ولم تكتمل امتحانات الشهادة الثانوية لأي سبب من الأسباب كانت ستكون (عايرة وأدوها سوط) عليه يكون إنجاز هذه الشهادة في هذا العام المضطرب قد نزل بردا وسلاما على بلادنا إنه كالهدف الذهبي في مباراة ساخنة بين أن نكون أو لا نكون. ان المؤشرات الناجمة من إنجاز هذه الشهادة لا تقدر بثمن إنها تعكس ان الإرادة السودانية إذا تحركت قادرة على قهر الصعاب وأن تلاحم الحكومة والدولة والمجتمع سوف يسد كل الثغرات التي يتسلل منها الخراب واليأس، والأهم من كل الذي تقدم يجب أن نعتبر هذا الإنجاز دلالة على أن بلادنا بخير وأنها لن تفرط في ثوابتها الوطنية وأنه ساعة الجد يمكن أن تستجمع قواها وتقوم بالوثبة المطلوبة.
فليكن الهدف الذهبي الذي أحرزته هذه الشهادة سلما للصعود للدور التالي وهو دور البناء والإنتاج.

د. عبداللطيف البوني
السوداني



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *