عبد اللطيف البوني

استقالة رانيا حضرة


(1 )
كم كان شاعرنا الكبير عمر الطيب الدوش عبقريا وهو يقول (تجيني ويجيني معاك زمن امتع نفسي بالدهشة) بالله شوف الجمع بين المتعة والدهشة ممتع كيف ومدهش كيف. نحن في السودان ومن زمن كانت ومازالت متع الدنيا تتساقط مننا ولم يبق لنا الا متعة الدهشة فمثلا كانت الكهرباء تقطع فتجعلنا نلعن سنسفيل الحكومة والجهات المسؤولة عنها ولكن ما إن تعود فجاة الا ويتعالى صياح الاطفال (الكهربا جات الكهربا جات ) اصالة عن انفسهم ونيابة عن كبارهم كرد فعل للمفاجأة السارة وينسى الجميع جناية قطع الكهرباء . في طلمبات الوقود يقف الناس الساعات الطوال ويلعنون سنسفيل الحكومة والمسؤولين ولكن ما إن يظهر التانكر ويقف لملء الخزان الا ويتحمدلوا بالسلامة ويتبادلون التهاني ويعدلون صفوفهم ويسمحون للمضطرين بتقدم الصف وينسون تقصير الحكومة فقد امتعتهم دهشة لحظة ظهور التانكر فأنستهم المعاناة الطويلة.
(2 )
بيد أن الامور قد تغيرت فخفت بريق الدهشة الخادع وانزوت متعتها فقد لحظت في الآوانة الاخيرة أن الاطفال لم يعودوا يعبأون كثيرا بعودة الكهرباء بعد طول انقطاع فتقطع وتعود دون اي استقبال منهم، فالانقطاع اصبح هو الاصل . عندما يهل التانكر في محطة الوقود اصبح يقابل بالتشنيع ولسان الحال (بعدما طلعت روحنا ) فلم يعد هناك شيء مدهش حتى يستمتع الناس به بعبارة اخرى سادت روح اللامبالاة وتساوت الامور كما قال شاعر الدوبيت (الليل والنهار واحد على العميان واللوم والشكر واحد على السجمان) فلنقف على حدثين فقط من احداث الاسبوع المنصرم لم ينفعل الناس بهما رغم ضخامتهما وعظم اثرهما وقابليتهما للتفاعل والتطور وإحداث تغيير كبير في مجريات الامور في البلاد وهما أحداث الجنينة وإلغاء قانون مقاطعة اسرائيل لعام 1958.
(3)
الجنينة مدينة سودانية عريقة وعاصمة ولاية ويبدو جمالها من اسمها (تصغير جنة ) ولها وضع مميز في الوجدان السوداني اذ انها تمثل اقصى نقطة في غرب البلاد فأصبحت كأنها غلاف للسودان اذ يقال من بورتسودان الي الجنينة .هذه المدينة تعرضت لحرب شوارع (عديل كدا ) فاصبح القتل على الهوية على عينك يا تاجر وبأمضى الاسلحة وهذا ما لم يحدث في السودان من قبل حتى في حرب الجنوب (سابقا) ورغم ذلك لم ينفعل الناس بها بما في ذلك الحكومة فالبرهان في الدوحة وحمدوك في الابيض ومريم في كنشاسا والناس في الصفوف والكورونا شغالة شغلها ولم يقل احد أن ما حدث ويحدث في الجنينة يمكن أن يكون بروفة لما سيحدث في كرش الفيل ذات نفسيها.
(4 )
مجلس الوزراء الموقر اجاز قانون ألغى بموجبه قانون مقاطعة اسرائيل لعام 1958 في جلسة عادية وجاء هذا الخبر رقم ثلاثة او اربعة في نشرات الاخبار لذلك اليوم دون تعليق او احم او دستور وقد سبق ايلى كوهين وزير الاستخبارات الاسرائيلية الذي رحب بالقرار وتغزل فيه اجهزة الاعلام السودانية ولم يعرف الشعب من الذي قدم مشروع القرار للمجلس وكيف تمت مناقشته وهل تمت الموافقة عليه بالاجماع السكوتي ام اجماع ناطق؟ وان جينا للحق فالشعب اصبح زاهدا في الموضوع فلن يندهش اذا قدم سفير اسرائيل غدا اوراق اعتماده للبرهان . فالاسئلة هنا تترى لماذا وكيف وصل هذا الشعب الذي كان كله سياسيا هذه المرحلة من اللامبالاة ؟ ولماذا فقد متعة الاستمتاع بالدهشة ؟ وغدا إن شاء الله نواصل في حتى اسرائيل دي . اما العنوان فمقصود.

عيد اللطيف البوني – صحيفة السودلني



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *