عبد اللطيف البوني

دورة تاريخية جديدة


(1 )
ما زال العلماء يتجادلون هل التاريخ تحركه المؤامرات ام الدقسات ؟ فالذين يرون أن التاريخ تحركه المؤامرات يرون أن كل ما يحدث من احداث في الواقع لابد من أن يكون نابعا من سياق معين اي مخطط له فالعالم عندهم مقيد وليس مطلوق فالاقوياء هم الآمرون والضعفاء هم المجيبون ويرون أن هذه حقيقة ابدية بينما الذين يرون أن التاريخ تتكون حباته عفو الخاطر يعتقدون أن الصدفة هي التي توجد الاحداث والشخوص الذين يقومون بها فكم من حدث مجلجل له عقابيل اهتز له العالم وقع دون تخطيط او نتيجة قراءة واعية او خاطئة. يتفق الفريقان على عدم ثبات الاحوال وأن التغيير هو الاصل (من الذي يا سلمى لا يتغير) فالتاريخ لايعرف الثبات وايامه متداولة بين الناس {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (140)} سورة آل عمران
(2 )
مستصحبين الرمية اعلاه دعونا نعرج على موضوع الساعة اليوم في القرن الافريقي وهو سد النهضة ودعونا نركن في هذه الزاوية لنظرية المؤامرة ونطبقها على هذا السد. لن نذهب بعيدا في التاريخ ونقف عند واقعنا المعاصر فنأخذ 1995 نقطة انطلاق حيث وقعت محاولة اغتيال حسني مبارك في اديس ابابا فهذه الواقعة جمعت بين البلدان الثلاثة المتشاطئة على النيل الازرق فأدت الى احتلال حلايب وشلاتين من قبل مصر والفشقة من قبل اثيوبيا ومع ذلك حدث تباعد بين مصر والسودان وتقارب بين السودان واثيوبيا. ثم تطورت الاحداث في البلدان في اتجاهات مختلفة السودان انفصل منه الجنوب والتهبت دافور وحوصر النظام الحاكم دوليا. مصر هزها الربيع العربي فوصل الاخوان الحكم فتحولت مصر الى مرجل يغلي بالصراع على السلطة بينما اثيوبيا انفتحت نحو العالم وانهمرت عليها الاستثمارات فنهض سد النهضة كمشروع قومي وبعد أن كانت تستجدي مصر للسماح لها بخزان سعته 17 مليار متر مكعب شرعت في انشاء خزان سعته 74 مليار متر مكعب وهي حصيلة حصة البلدين في النيل الازرق واقنعت السودان بأن فوائد السد بالنسبة اكبر من اثيوبيا فتبناه السودان ايضا
(3 )
السودان منكفئ على عزلته المفروضة عليه ومصر منكفئة على صراع السلطة داخلها بينما الآليات الايطالية الضخمة تحفر في منطقة بني شنقول الاثيوبية فظهر غبار الحفر والبناء في 2011م وبعد استقرت مصر سياسيا عام 2015م التفتت جنوبا فوجدت أن الحفرة قد اتسعت على الدافن والسودان آخر بسط واثيوبيا تخلف كراكة على بلدووزر والحوائط الخرصانية تعلو وتعلو فكان اتفاق المبادئ في 23مارس 2015م في الخرطوم ليصبح خطا تاريخيا فاصلا حيث اعترفت الدولتان بأن السد ذا الـ74 مليار متر مكعب اصبح امرا واقعا فرقصت اثيوبيا حتى الصباح طربا. ما يدور الآن من جدل حول امان السد وطريقة ملئه وتشغيله ومستقبله مجرد تفاصيل صغيرة يمكن الاتفاق عليها. وكل ما يحدث الآن من لولوة من جانب اثيوبيا مجرد تشتيت للكرة لتبديد الوقت قبل أن يصفر الحكم الصافرة النهائية بعد سنتين بعد عشرة بعد عشرين سنة معلنا نهاية المباراة باستلام اثيوبيا لنهر الاباي (النيل الازرق) كاملا، تمنح السودان، تعطي مصر، تنتج كهرباء، تزرع الفشقة تبيع الماء هذا سيحدده توازن القوى بين الدول الثلاث، فالامر المؤكد أن اللعبة انتهت والحكاية صفرجت وانطوت صفحة من التاريخ وانفتحت صفحة جديدة ويا حمامة مع السلامة فإذن التاريخ تصنعه المؤامرات متضامنة مع الغفلات.

صحيفة السوداني



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *