ضياء الدين بلال

الفساد الأكبر ..!

-١-
الفسادُ الأكبرُ هو ما لا يتمُّ الحديثُ عنه ولم تُفتح ملفاتُه في كل الأنظمةِ والعهود.
الفسادُ الأكبرُ ما تقوم به الدولة الأعمقُ منذ الاستقلالِ إلى اليوم والتي أسقطتْ حكمَ البشير أمس، وتهددُ حكم حمدوك اليوم، وهي دولةُ المصالح والعلاقات.
الدولةُ الأعمقُ، هي التي فرضت على السيدين (المهدي والميرغني) في الديمقراطية الثالثة إبعادَ الوزيرِ محمد يوسف أبو حريرة.
أُبعد المحامي الجسور من منصبه الوزاري لانحيازه لمصالح الشعب ضد مطامع التجار.
وعندما سُئل رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي عن إبعاد (أبو حريرة) من وزارة التجارة، قال مقولته الشهيرة: (وجد في الجو شطة فعطس)!
يأتي نظام ويسقط آخر وهم واقفون على أبواب مصالحهم يستقبلون القادمين بالورود ويودعون المغادرين باللعنات!
لهم طرق وأساليب مخبورة في احتواء السياسيين وإفساد كبار الموظفين والمصرفيين.

-٢-
كثيرٌ من التعاقدات الحكومية الكبرى في المشاريع ذاتِ التكلفةِ الماليةِ العالية، ترتبت عليها خسائرُ فادحةٌ على خزينة الدولة.
ذلك إما لوجود فسادٍ في الجانب الحكومي أو بسببِ ضعفِ كفاءة المفاوض ومستشاريه، أو الاثنين معاً!ً
أكثر ما ظل يُلحق ضرراً بالغاً بمصالح
الوطن هو تسييسُ قضايا الفساد ، وابتذالُها في تشويه سمعة الخصومِ وتصفيةِ الحسابات.

-٣-
نعم، كل الأنظمةِ السياسيةِ المتعاقبةِ استخدمت ذلك السلاحَ ضد خصومها.
حتى الرئيسَ السابق عمر البشير في آخر أيامه استخدم سلاحَ تسييس الفساد ضد المناوئين لترشيحه داخل حزبه عبر حملة اصطياد القطط السمان.
والآن الحكومةُ الانتقالية تسيرُ على ذات الطريق وبنفس النهج القديم، (تسييس قضايا الفساد).

-٤-
استخدام ذرائع قضايا الفساد لتصفية الحسابات السياسية وتشويه سُمعة الخُصُوم، سلوكٌ قديمٌ ومتكررٌ في السياسة السودانية، مارسته الأنظمة المتعاقبة، شمولية وديمقراطية!
هذا لا يعني عدم وجود فساد في كل تلك الحقب، ولكن حقن الوقائع بهرمونات السياسة هو ما يفسد قضايا الفساد الحقيقية فتصبح غير صالحة للتقاضي.
السياسيون كثيراً ما يبتذلون قضايا الفساد في حملات كيدية انتقامية، تبدو أقرب للسذاجة والعبط والحماسة المُتهوِّرة!
صحيحٌ، غالباً ما تجد تلك الحملات تعاطفاً جماهيرياً واسعاً، ولكن مع الأيام تكتشف الجماهير أنها تعرّضت لعمليات خداع بصري وغش سياسي!

-٥-
(الدولة الأعمق) هي دولةُ تحالفِ كبارِ التجار ورجال المال مع السياسيين والمصرفيين والموظفين في كل أجهزةِ الدولة.
القوانين تُراعي مصالحهم والقراراتُ تتخلقُ في مكاتبهم وقصورهم ومزارعهم والمعلومات تصل آذانَهم أولاً بأول.
من يصدقُ أن الحكومةَ بكل أجهزتها، لا تعرفُ من يتسببُ في ارتفاع الدولار وهبوط قيمة الجنيه؟!
نعم، تعرفُهم بالاسم والوسم والعنوانِ ولكن لا تجرؤ على الاقترابِ منهم، فتكتفي بصِبيةِ البرندات!

-أخيراً-
(الدولةُ الأعمقُ) ستظلُّ في كل الأنظمةِ تمارسُ فسادَها الأكبر، وهي محميةٌ بشبكةِ المصالح.
لا يطالُها قانونٌ ولن تُرهبها إجراءاتُ الطوارئ.
وكما يقول المثل الأمريكي: (القوانينُ مثلُ نسيجِ العنكبوت، تقع فيه الطيور الصغيرة وتعصفُ به الطيورُ الكبيرة)!

*معاد بتصرف.

صحيفة السوداني

‫2 تعليقات

  1. والمراد .. الخلاصة والزبدة يعني من هذا المقال للصحفي المتضرر جداً من زوال نظام عمر البشير .. هي :

    * قضايا الفساد التي تعلن عنها لجنة إزالة التمكين هي قضايا مسيسة كيدية وانتقامية وليست فساداً حقيقياً .

    * لا توجد لنظام الكيزان البائد دولة عميقة تعمل على التخريب في شتى مرافق الدولة بهدف خلق الازمات في كافة مقومات الحياة وإضعاف الإقتصاد وزعزعة الأمن .

    * لا جدوى من محاربة الفساد لأن (الدولة الاعمق) دولةُ تحالفِ كبارِ التجار ورجال المال مع السياسيين والمصرفيين والموظفين في كل أجهزةِ الدولة ستظل تمارس فسادها في ظل كل نظام يحكم السودان دون أن يطالها القانون .. بما في ذلك الحكومة الانتقالية الحالية .