وزارة العمل ما لم يأت به الأوائل

أشرنا في مقال سابق إلى ما عمّ الصحائف الأرضية والإسفيرية من مهرجانات خطابية وحفلات صاخبة وراقصة في شأن أمانة راعي الأغنام السوداني المقيم في السعودية، ونبهنا إلى أنه في الزاوية البعيدة من (صيوان) الاحتفال ثمة (سرادق) للعزاء، وكأني بالمحتفين يدخلون (صيوان الفرح) من باب، ويخرجون من باب آخر رافعين أيديهم بالفاتحة. لكن ينبغي لي أن أؤكد خارج الُلجة – عن تقديري الكبير للسيّد (الطيب يوسف) (الراعي) على أمانته وحسن سيرته في العمل، وهذا أمرٌ محمود، لكنه سلوك طبيعي، لا يستحق كل هذه (الهرجة) شديدة البأس، فالقاعدة المتفق عليها في كل (الدنيا)، وبين كل الشعوب والأمم والملل والنحل، أن أي وظيفة مهما (صعدت أو دنت) تتطلب بعض الشروط الأخلاقية في حدها الأدنى، منها الأمانة والانضباط، وهما شرطان وأمران عاديان لا استثنائيان، لذلك فإن من يمتثل لهما ولا ينحرف عنهما قيد أنملة خلال مسيرة مهنية طويلة – فمن الجائز أن يُحفَّز مادياً أو معنوياً من قبل المؤسسة التي يعمل فيها، وإن لم تفعل فلا (لوم عليها) ولا اعتراض. الاستثاء هو خيانة الأمانة، وهو أمر يعاقب عليه القانون قبل الرب، لذلك بدا لي احتفال الأسفيريات والأرضيات بأمانة الراعي، وكأنه تعويض نفسي لخراب كبير حاق بالبلاد، ولحق بأخلاق العباد، فعذرت زُمر المُحتفين على (هوجتهم الراقصة)، علها تعيد إليهم توازنهم النفسي جراء هذا الخراب المديد. لكنني لم أتصور أن تسدد وزارة تنمية الموارد البشرية والعمل طعنة نجلاء وقاصمة إلى خصلة يبلغ بنا الظن أحياناً أنها حضرية علينا دون سوانا من البشر، فغناؤنا وأشعارنا وأزجالنا ومواويلنا تكاد تنوء متونها فرط حملها لـ(الأمانة)، فيأتي (أربعة وزراء) إلا قليلاً، من وزارة واحدة، لا تحتاج كي تسيّر أمورها وتعتني بها لكل هذا الكم من (المستوزرين)، وزير، وزيري دولة (اثنين)، ووكيل وزارة، كلهم جاءوا أمس على متن إعلان صحفي مدفوع القيمة، بصورهم يتقدمهم (الراعي الأمين)، وخلفه الوزيرة إشراقة يتبعها الوزيران آمنة والصادق، وعلى أثرهما الوكيل الطاهر والعاملون بالوزارة، كلهم يسعون من أجل إعلاء (الراعي) بحسب الإعلان المدفوع للقيم والمثل الأخلاقية المعبرة عن أخلاق السودانيين الذين عرفوا بها التاريخ وسط شعوب العالم. ما الذي رمى وزارة العمل بداهية يا ترى، حتى تنشر مثل هذا الإعلان الساذج، ومن العقل الذي فكر لها في هكذا أمر، وما الداعي أصلاً للاحتفاء بقيمة أخلاقية عرف بها السودانيون تاريخياً وراهناً وسط شعوب العالم كله كما قال بذلك نص الإعلان نفسه؟ ثم أليست ثمة أمور أكثر أهمية ينبغي العمل على إنجازها في ظل البطالة المتفشية بين المواطنين، بدلاً من أن تستنزف أموال الشعب في إعلان بلا قيمة فكرية أو أخلاقية، أليس كان جديراً بها أن تحتفي بأمانة هذا الراعي بأن توفر المبلغ الذي دفعته لهذا الإعلان ليوم كريهة وسداد ثغر. لكن هذا دأبنا نأتي كل يوم بما لم تأت به الأوائل.
[/SIZE][/JUSTIFY]الحصة الأولى – صحيفة اليوم التالي
