تحقيقات وتقارير

حرب السودان.. السلاح في اليد والعين على الذهب


في خضمّ الحرب السودانية، كان لافتاً ما أعلنه نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، مالك عقار، يوم الاثنين، من أن موسكو والخرطوم تُجريان حوارا بشأن المشاريع المشتركة لاستخراج الذهب والمعادن النادرة، مشيرا إلى احتمال مشاركة دول أُخرى أيضاً، وهو الذهب الذي تفيد معطيات متداولة بأنه مصدر أساسي في تمويل قوات الدعم السريع ومرتزقة فاغنر الروسية الداعمة لمسلحي محمد حمدان دقلو (حميدتي).

ونقلت “سبوتنيك” عن عقار قوله أمس: “نحن نتحدث عن مشاريع مشتركة، والمفاوضات جارية الآن، وليس فقط بين السودان وروسيا، بل وبين السودان ودول أُخرى”، موضحا أن الحرب في أوكرانيا ربما أثّرت بطريقة ما على المفاوضات. وذلك بعدما كان السفير السوداني في موسكو محمد سراج قد أعلن في مارس/آذار الماضي، أن التعاون في مجال التنقيب عن المعادن وإنتاجها مجال يمكن للسودان أن يجتذب فيه استثمارات من روسيا. هنا، تجدر الإشارة إلى أن شركة “روس جيولوجيا” وقعت في سبتمبر/أيلول 2021 عقدا مع السودان لإنشاء خريطة جيولوجية والبحث عن الذهب، فيما قال مديرها سيرغي جوركوف بعد بدء الصراع في السودان إن “الشركة تواصل العمل في السودان رغم الوضع السياسي الصعب”. وأتت تصريحات عقار فيما يعمل عدد من الشركات الروسية في مجال الجيولوجيا والتنقيب في باطن أرض السودان، بما في ذلك تعدين الذهب الذي يُعد من أكبر الصناعات إلى جانب إنتاج النفط والزراعة، باعتباره يدرّ نحو 70% من إيرادات موازنة البلاد، بحسب ما أوردته “أ ش أ”.

ويرى مراقبون ومختصون بالسودان أن ما يدور فيه من حرب بين المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع لم يكن بعيدا من الصراع الإقليمي والدولي للاستحواذ على الذهب مع وجود إحصاءات تؤكد اختزان أرضه مخزونا استراتيجيا بمئات الأطنان. كما يؤكدون أن شرائح كثيرة من المجتمع السوداني تعلم جيدا ما يحاك ضد البلاد، خاصة ما يدور بخصوص مورد الذهب الذي ظل يهرّب لسنوات ما نسبته 70% من الإنتاج. وكان مصدر في وزارة الخارجية الروسية قال إن الغرب يحاول إخفاء مشاركة شركاته في تهريب الذهب السوداني، مشيرا، بحسب قناة “روسيا اليوم”، إلى أن هذه الموجة الدعائية “تكمن وراء هذه الموجة الدعائية أولاً وقبل كل شيء محاولة لإخفاء مشاركة العديد من الشركات الغربية في تهريب ثلثي الذهب السوداني المستخرج فضلا عن ممارسة الاستعمار الجديد المطبق في أفريقيا ويقوم على مبدأ التبادل غير المتكافئ”. المحلل الاقتصادي عبد الوهاب جمعة يقول لـ”العربي الجديد”: “إنها خطوة دفاعية تجاه الدول الغربية ومحاولة نقل المعركة من الجانب الروسي إلى الجانب الغربي”، ويرى أن الشركات المنتجة للذهب في السودان تتنوع؛ بعضها من شرق أوروبا والخليج العربي ودول أُخرى، لكن أكثر الشركات أوروبية وعربية مثل شركة “مناجم” المغربية، إضافة إلى شركة قطرية.

أما أكبر شركة غربية فهي “أوركا غولد” الكندية المسجلة في بورصة تورنتو، وهي اللاعب الجديد في استخراج الذهب في السودان وقد بدأت في العام 2014 وحققت في العام 2015 استكشافات واعدة في المربّع 14 الذي يقع في منطقة أبو حمد إلى الحدود المصرية شمالا، حيث استثمرت مئات الملايين من الدولارات وضخت العام الماضي نحو 500 مليون دولار، إضافة إلى إنشاء مهبط للطائرات دُشّن العام الماضي، كما عملت على كشف لبئر مياه جوفية نظرا لوجود الموقع بعيدا عن مجرى النيل. ويشرح جمعة أن “أوركا غولد” دخلت في تحالف مع شركة من جنوب أفريقيا وشكلت أكبر تحالف في مجال استخراج الذهب. ومع ذلك، تظل معظم الشركات المنتجة والمستخرجة للذهب في البلاد روسية بواقع أكبر شركتين ضخمتين في إنتاج الذهب. ويفسر ما جاءت به الخارجية الروسية بأنه يأتي متزامنا مع أنباء متداولة عن دور مجموعة فاغنر الروسية في الذهب، وفي سياق سياسي من محاولة لنقل المعركة إلى الشركات الغربية، إذ لطالما زُجّت الصناعات الاستخراجية في صراعات السودان. ففي حروب سابقة، انسحبت شركات غربية بينها “شيفرون” الأميركية و”ليندين” السويدية، علما أن هذه الأخيرة انسحبت من “المربّع 5″ الذي يتضمن أكبر حقل لإنتاج النفط (ثارجاث). ويشير عبد الوهاب إلى أن الذهب يُعتبر المورد الثاني بعد النفط، لكنه أصبح الآن أكثر أولوية من البترول، لأن استثماره غير مكلف كثيرا مثل النفط الذي يحتاج إلى بنية قوية ومليارات من الدولارات.

ولذلك، أصبح الذهب إحدى أدوات صراع السودان متمثلا في المنافسة الشرسة بين شركات غربية وروسية وصينية، خاصة بعدما ارتفعت أسعاره كثيرا في الفترة الماضية، خاصة مع اتجاه المصارف المركزية حول العالم إلى زيادة أسعار الفائدة، ما زاد من جاذبية المعدن النفيس. بدوره، يقول المحلل الاقتصادي هيثم فتحي لـ”العربي الجديد” إنه بغضّ النظر عن جنسية الشركات ودقة الأرقام المتداولة، فإن تهريب الذهب موضوع في غاية الأهمية، لأنه يضر كثيرا بمصلحة السودان، خاصة أن الشعب والدولة يعلمان الكثير عما يدور بهذا الخصوص، فالكل يعلم أن ثمة فوضى ضاربة في هذا المورد الحيوي. ويلاحظ أن معظم الإنتاج التقليدي يُهرّب لصعوبة السيطرة عليه، فيما هناك نحو 140 شركة امتياز تعمل في مجال الذهب، غير أن المنتجة منها نحو 10 فقط. ويبلغ مجمل إنتاج القطاع المنظم ما بين 12 و16 طنا سنويا، إضافة إلى ما بين 50 و60 شركة تعمل في مجال مخلفات التعدين ومعظمها تعين القوى الأجنبية على وضع اليد على موارد السودان ومن ضمنها الذهب بطريقة أو بأُخرى. أما المحلل السياسي يوسف سراج الدين فيرى في تصريح لـ”العربي الجديد” أن من غير المستبعد ضلوع شركات غربية إلى جانب النشاط الروسي في عمليات تهريب الذهب، في ظل التنافس الدولي الحاد للهيمنة على ثروات العديد من الدول الغنية باحتياطيات الذهب.

وتدعم هذه الفرضية تقارير إعلامية كشفت عن نشاط كثيف استهدف تهريبا ممنهجا للذهب بمساعدة دوائر نافذة في الدولة نفسها. ومع انفتاح السودان على الشركات الأجنبية وسط ضعف الرقابة وهشاشة الأوضاع السياسية والأمنية، من المرجح أن تسعى جهات دولية للتكسّب من المعدن الثمين. فأمام تقاطعات المصالح، تنشأ بالضرورة صراعات ذات طابع دولي ضمن سياسة الهيمنة والاستقطاب، على حد تعبيره. ويرى سراج الدين أن الاتهام الروسي لشركات غربية يأتي في محاولة للرد على تقارير تناولت المصالح الروسية في السودان، لا سيما بعد اندلاع حرب السودان منتصف إبريل/نيسان الماضي، وتولي السعودية والولايات المتحدة ملف الوساطة بين الأطراف المتناحرة. من جهته، يؤكد الاقتصادي الفاتح عثمان لـ”العربي الجديد”، أن إنتاج الذهب ظل دوما محاطا بالغموض. فإبّان الاستعمار البريطاني المصري، عملت السلطات البريطانية على تعدين الذهب في شمال السودان في قلب الصحراء من دون علم الأهالي ولا حتى الشريك المصري.

وفي فترة تعدين شركة “ارياب” الفرنسية، فقد قيل الكثير عن حجم الذهب الذي كان يُهرّب خلالها إلى فرنسا من دون علم الحكومة السودانية، كما سرت أنباء مماثلة كثيرة عن شركة “شيفرون” الأميركية. أما دور الروس في التهريب فقد تناولته تقارير أوروبية وأميركية، في حين توجد عدة شركات تتبع عدة دول منها أستراليا، ليتبين، بشكل عام، أن الجميع شارك في التهريب ونهب الثروة، مستفيدا من الفساد وضعف مؤسسات الدولة، وفقا لعثمان الذي اعتبر أن الحرب الدائرة رحاها حاليا قد لا ترتبط بالثروة مباشرة بقدر ما لها علاقة بطموحات قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في السيطرة الكاملة على البلاد. كذلك، يؤكد المحلل السياسي والاقتصادي الطيب المكابرابي لـ”العربي الجديد” أن شركات على رأسها “أرياب” بدأت تعمل شرقي السودان قبل اكتشاف الذهب في مناطق الشمال وكثير من مناطق غربي البلاد، وقد أُثير حولها الكثير من التساؤلات، خاصة ما يتعلق بحجم الإنتاج الحقيقي وغموض تعاملاتها مع الحكومة، مع ما يمكن أن يتضمن من إخفاء للبيانات تسهيلاً للتغطية على أنشطة التهريب.

“العربي الجديد”