منوعات

عوض أبكر: مَن هُم بُناة دولة (56) المفترى عليها؟


لعل من الملاحظ أن حزمة الشعارات واللافتات السياسية الجذابة التي رفعها منظرو وأتباع قوات الدعم السريع المتمردة علي الدولة السودانية في بداية انطلاقة شرارة حرب الخرطوم في 15 أبريل عام 2023 والتي ملأوا بها آفاق وفضاءات السياسة السودانية، لجهة تبشيرهم للشعب السوداني بجلبهم للمدنية والديموقراطية ومحاربة الفلول والكيزان، فضلاً عن محاربة دولة (56) ما هي إلا ذريعة واهية لتبرير شن حربهم المدمرة علي الدولة السودانية، لأجل الاستيلاء علي مقاليد الحكم بالخرطوم بإيعاز وإسناد خارجي (دولي واقليمي)، لاسيما من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة المتلهفة و المتهافتة علي موانيء السودان بالبحر الأحمر وعلي ثرواته و موارده المعدنية والزراعية الهائلة التي تزخر بها أراضيه، فضلاً عن بعض المنظمات الإقليمية و دول الجوار الأفريقي التي شاركت في هذه الحرب القذرة، وذلك من خلال تقديمها للدعم الدبلوماسي والسياسي لقوات الدعم السريع ، علاوة علي فتح حدودها دون مواربة لنقل السلاح والمعدات الحربية لها، بالإضافة الي تفويج أعداد ضخمة من مرتزقة عرب الشتات بغرب أفريقيا إلى الداخل السوداني للمشاركة في أتون تلك الحرب البغيضة التي تشنها تلك القوات ضد الجيش السوداني.

ومما يؤسف له أن كثيراً من أبناء الهامش السوداني قد ابتلعوا هذا الطعم وطفقوا يلوكون تلك الشعارات في غدوهم ورواحهم، ولكن الشيء الأدهى والأمر من كل هذا هو أنه حتى بعض نخب الهامش السوداني وصفوته

قد انطلت عليهم هذه الفرية فباتوا يرددونها دون وعي أو إدراك لمراميها الخفية، ولكن
نقول لمن لا يعلم أو لا يدري أن دولة (56) المفترى عليها من قبل عرابي وأشياع آل دقلو ماهي إلا معلم بارز في مسيرة تاريخ الأمة السودانية ومنعطف مهم في طريق الكفاح الوطني لأجل التحرر والانعتاق من أغلال الاستعمار الإنجليزي بل تعد ثمرة ونتاج طبيعي لسلسلة من التضحيات ونضالات الشعب السوداني لعدة عقود خلت ضد ظلم وجبروت واستبداد المستعمر الذي جثم علي صدره منذ عام 1899م بموجب اتفاقية الحكم الثنائي (الحكم الإنجليزي المصري) أي بعيد هزيمة دولة المهدية في معركة كرري عام 1898م علي يد اللورد كتشنر باشا الذي أصبح لاحقاً حاكماً عاماً للسودان في الحقبة الاستعمارية.

وما يجدر ذكره هو أن هذه التضحيات وعمليات المقاومة الوطنية المستمرة ضد المستعمر التي انتظمت البلاد في ذاك الوقت لم تنفرد بها جهة دون غيرها، وإنما اشتركت فيها معظم الجهات والمناطق السودانية المختلفة، فنذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : ثورات قبائل جبال النوبة : ثورة تلودي في عام 1906 و ثورة الفكي علي الميراوري بجبال ميري في عام 1914 و ثورة السلطان عجبنا في عام 1917 بجبال النيمانق (الاما)، علاوة علي ثورة علي دينار بدارفور في عام 1916 التي تمثلت في رفضه دفع الجزية للحكومة الإنجليزية، فضلاً عن انضمامه لدول المحور بجانب تركيا في حربها ضد دول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى (1914 إلى 1918) ، بالإضافة إلى ثورة عبد القادر ود حبوبة بمنطقة الحلاوين بالجزيرة في عام 1908 وهو أحد اتباع ورجالات الثورة المهدية.

ومما يجدر الإشارة إليه كذلك، هو أن حركات المقاومة الوطنية المسلحة ضد الاستعمار الإنجليزي لم تقف في حدود الثورات المشار إليها آنفاً. وإنما توجت بثورة اللواء الأبيض ضد المستعمر الإنجليزي في عام 1924 والتي قادها الضابط السوداني البطل عبد الفضيل الماظ الذي شن حرباً خاطفة ضد القوات الإنجليزية برفقة جنوده البواسل والتي استشهد فيها وهو منكفيء علي مدفعه المكسيم ممسكاً به بكلتا يديه و هو ميت في صورة نادرة تجسد البطولة والجسارة فداء وتضحية لتراب الوطن ، إذ أوقع خسائر كبيرة بين قتلي وجرحى في صفوف الجنود الإنجليز، وقد عرفت هذه المعركة لدى المؤرخين الإنجليز بمعركة النهر ، لأنها دارت علي ضفاف نهر النيل الأزرق بالخرطوم في موقع مستشفى العيون الحالي بجامعة الخرطوم .

لعل ما أشير إليه آنفاً، يمثل المرحلة الأولى للكفاح المسلح للشعب السوداني ضد الاستعمار الانجليزي والتي قدم فيها الشعب السوداني الغالي والنفيس من المهج والأرواح مهراُ لحريته. أما المرحلة الثانية فتمثلت في الكفاح السلمي الذي تصدي له المثقفون من خريجي كلية غردون .. إذ بدأ في ثلاثينيات القرن المنصرم بإنشاء واجهات ثقافية وأدبية واجتماعية كنادي الخريجين بأم درمان في عام 1936 وجمعيات أبو روف الأدبية ومجلة الفجر ، فضلاُ عن مؤتمر الخريجين في عام 1938 والتي لعبت جميعها دوراً جوهرياً في رفع الحس الوطني وتنوير المواطنين وتبصيرهم بحقوقهم السياسية وقد تمخض كل ذاك الحراك الوطني عن تكوين الجمعية التشريعية في أربعينيات القرن المنصرم والتي تعتبر أول مؤسسة برلمانية في السودان.. إذ ضمت في عضويتها مثقفين و زعماء العشائر والقبائل من كل أنحاء السودان من غربه، وجنوبه، وشرقه ،وشماله ،والتي مهدت لاحقاً لقيام الحكم الذاتي (الحكومة الانتقالية في الفترة من فبراير عام 1953 – نوفمبر عام 1955 برئاسة الزعيم إسماعيل الأزهري) ، وأفضت في خاتمة المطاف إلى إقرار استقلال السودان من داخل البرلمان عن استعمار الحكم الثنائي في يناير عام 1956 باقتراح من النائب عبدالرحمن دبكة من نواب دارفور في 19 ديسمبر عام 1955 والذي ينتمي لقبيلة البني هلبا من القبائل العربية بجنوب دارفور .. فهؤلاء يا سادة، هم صناع الإستقلال و بناة دولة (56) المفترى عليها من قبل أنصار وأتباع الدعم السريع.

عوض أبكر إسماعيل