رأي ومقالات

عبد الله الأزرق: 📍فض اشتباك


شهد القرن التاسع عشر انتشار مفهوم القومية Nationalism بين الدول.
وفي القرن العشرين ساد مفهوم الدولة القطرية Nation State في الدول المستقلة، وخاصة في الغرب.

وعبر الاستعمار انتقل هذا المفهوم للدول التي تقع تحت سيطرة القوى الاستعمارية. وقامت تلك الدول المسيطرة برسم الحدود بين الدول حتى قبل استقلالها. فمثلاً قام الرائد البريطاني غوين بتكليف من حكومته برسم حدودنا مع إثيوبيا عام 1902.

ولم يتم الاخذ في الاعتبار وجود قبائل مشتركة على جانبي الحدود لدى تحديد علامات الحدود أو رسمها.

ولدى استقلال الدول شكل وجود القبائل المشتركة على الجانبين مشكلات، خاصة إذا كانت قبائل رعوية.
وبيننا وإثيوبيا توجد قبيلة الأنواك على جانبي الحدود (قبل انفصال الجنوب).
وتوجد قبيلة الزغاوة على جانبي حدودنا مع تشاد.
وكذا قبيلة البني عامر بيننا وأريتريا.

وبجانب الحاجات الاقتصادية والمعيشية توجد المصاهرات بين أفراد القبيلة الواحدة على جانبي الحدود؛ مما يزيد من تعقيد الأوضاع الحدودية.

وكنت عضواً بلجنة الحدود المشتركة مع إثيوبيا؛ وخلص جانبنا إلى أن إثيوبيا لن تعترف بالحدود وترسمها إلاّ إذا رأت في السودان قوة.

ومع استقلال الدول أصبحت مسألة الحدود من لوازم السيادة paraphernalia of sovereignty التي لا تنازل عنها؛ شأنها شأن العَلَم والعملة وما إليها. ولكن القبائل المشتركة لا تحفل بذلك كثيراً.

ومع اندلاع الحرب الإثيوبية الأريترية تدفق الألوف من اللاجئين للسودان؛ وأقاموا في معسكرات.
ولكن الضعف الإداري في السودان مكّن الكثيرين من التسرب للمدن. ومكّن الألوف من التجنس.

وتدريجياً كونوا شبكات مصالح أصبحت تنافس أهل الأرض الأصليين حتى من نفس القبيلة.
حدث ذلك بين طرفي قبيلة البني عامر؛ أي من كانوا في المعسكرات أو من القادمين الجدد والمقيمين الأصليين.

وأخذ القادمون ينافسون حتى على النظارة؛ مثلما حدث قبل ثلاث سنوات حين حاول القادمون خلق نظارة بديلة للناظر دقلل. ولازال تسلل القادمين الجدد جارياً إلى اليوم .
ومثل هذه التحركات والمنافسات تهدد الاستقرار والأمن.

ونظارة الناظر دقلل محل نقد من أهلنا الهدندوة (المجاذيب لهم مصاهرات وقربى مع الهدندوة).
عرفت اللواء (أمن) بدر الدين عبد الحكم كضابط أمن ذكي وذو خبرة، ومعرفة بشرق السودان وأريتريا، ودراية بالتداخل القبلي بين السودان وأريتريا. وتعمقت معرفته ومتابعاته حين كان مسؤولاً عن الأمن بولاية كسلا.

وقد أثار تصريحه للتلفزيون مؤخراً عن الوجود الأجنبي موجة من ردود الأفعال.
وما قاله عن خطورة الوجود الأجنبي صحيح؛ وقد جنينا ثمره المر خلال هذه الحرب.
وما ذكره عن ضرورة مراجعة السجل المدني صحيح، بل ضرورة قصوى.
وفي تصريحه قال اللواء: إنه في عهد إبراهيم محمود تم تجنيس نصف أريتريا.

وهذا شائع.
وقال لي اللواء بدر الدين: إنه يعرف الأصيل من الدخيل في قبائل الشرق؛ وإنه لم يعنِ أبداً الأصلاء أهل البلد من البني عامر؛ وأن أصحاب الأهواء، والقحاتة بخاصة، هم من يثيرون اللغط حول ما قال.

ولكن النظر العميق ينبئ أن الخلل في الكوادر الدنيا في جهاز الشرطة.. وإلاّ فإنّ بالشرطة من الكوادر الوطنية النظيفة ما يجل عن العد والحصر وخاصة في الكوادر الوسيطة والعليا.
وقد سألت الأستاذ إبراهيم محمود عن ذلك فنفاه، وقال: إنه لم يتدخل كوزير في سلطة جهاز الجوازات بالشرطة.
وللحقيقة، فقد تعرض الأستاذ إبراهيم محمود للظلم منذ زمن.

فقد اتهم بأنه كان رئيساً لاتحاد الطلاب الأريتريين بجامعة الأسكندرية.. وهذا غير صحيح فقد كان المسؤول الاجتماعي في اتحاد الطلاب السودانيين في مصر.

واتُّهِم َ بأنه أريتري؛ في حين أن عمه كان عمدة لقبيلة عد شيخ حامد ورئيس المحكمة الأهلية، وهو مدفون بالختمية بكسلا.. ووالده تولى العمودية بعد عمه عام 1927 (أكرر 1927).
وللعلم فإن فوز الأستاذ إبراهيم كوالي لكسلا لم يتم بأصوات البني عامر.

وينتمي إبراهيم محمود من جهة أبيه إلى فرع النابتاب في بني عامر السودان.
والنابتاب في الأصل شعديناب.. والشعديناب من أعرق بطون الجعليين.
وللحقيقة، فمثلما عرفت اللواء بدر الدين فقد عرفت الأستاذ الوزير إبراهيم محمود كقائد إسلامي، رفيع الخلق، كثير الأدب، جم التواضع.

أذكر وأنا وكيل بالخارجية أنني اقترحت في اجتماع بمجلس الوزراء ترأسه الفريق بكري حسن صالح سَنْ قانون يجرم القبلية Tribalism؛ أسوة بتجريم العنصرية في البرازيل والقبلية في رواندا.

ولازالت حاجتنا ماسة لمثل هذا القانون.
كل هذا الذي ذكرنا لا ينفى ضرورة أن يُعهد بمراجعة الرقم الوطني لكوادر وطنية من أولاد البلد الأقحاح؛ وإلاّ حاق بنا مرة أخرى ما حاق بنا الآن جراء تدفق عربان وزرقة غرب أفريقيا؛ ولات حين مندم.

كنت أتمنى أن تزول هذه الحدود بيننا وبين إخواننا في أريتريا، فنحن كمسلمين أمة واحدة.. ولكن ما الذي يخرجنا من ورطة الدولة القطرية وحدودها التي وضعها الاستعمار؟؟

ومن ناحية أخرى، لأن من ينتمون لقحت (تقدم) لا يُحسنون إلاّ إثارة الفتن، فقد استثمروا بحقد في تصريحات اللواء عن الوجود الأجنبي، وزعموا زوراً أن الإسلاميين يريدون إثارة فتنة في الشرق.. أخرجوا الأمر عن سياقة تماماً؛ متناسين أنهم ضالعون في فتنة مليشيا حميدتي. وهم يريدون صرف الأنظار عن مخازيهم لا أكثر.
كبُرَت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ كذبا.

يقيني أن ما قاله اللواء بدر الدين عن ضرورة مراجعة الرقم الوطني، إنما قاله بدافع وطني، وبدافع مهني ومن واقع خبرته.

وما قاله في النهاية هو رأي شخصي. ومن ثم فإن القفز إلى أن هذا رأي الإسلاميين إنما هي محاولة غير شريفة للتعميم، وهذا نهج غير موضوعي ولا عِلمي. ومحاولة رخيصة لتجريم الرجل.

وعهدنا من القحاتة تجريم كل رأي يخالفهم، متناسين جريمة تحالفهم مع أولاد دقلو.
ويا لها من جريمة!!!

هؤلاء مردوا على الكذب، وتعودوا على رمي الخصوم زوراً بكل بلية، وجُبلوا على تخويف معارضيهم بالشتائم والسباب.
ولكن ذلك عهدٌ ولّى.
وفي كل الأحوال، قاتل الله القبلية:
“دعوها فإنّها مُنْتِنَة”.

📍عبد الله الأزرق