جعفر عباس

مِهن ومحن (43)


[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] مِهن ومحن (43) [/B][/CENTER]

إذا أردت أن تعد وليمة لعشرة أشخاص فإن أفضل من يتولى إعداد الطعام، هي الأم أو الزوجة أو الأخت أو أي امرأة من الأقارب او الجيران، أو حتى واحدة تطبخ نظير أجر معلوم، ولكن إذا أردت استضافة عشرين شخصا أو أكثر على طعام، ففي 99,999% من الحالات يكون الطباخ رجلا، ومقارنة بالرجال فإن النساء، وفي كل القارات هن الأكثر تأنقا في الملبس وتصفيف الشعر والأكثر اهتماما بإزالة آثار العدوان من البشر باستخدام أنواع مختلفة من الطلاء والمساحيق، ومع هذا فإن أفضل وأشهر من يخيط الملابس النسائية هم الرجال، بل إن الرجال هم الأفضل أيضا في مجال الكوافير والبديكير والكاريكاتير والأسانسير. وبدون زعل يا آنساتي وسيداتي وتاج رأسي، فإنه حتى في أهم المجالات التي تخص النساء ولو نظريا فإن الرجال هم المتفوقون، ولكن هذا لا يعني أن النساء فاشلات في مجال الطبخ بـ«الجملة» ولا في تصفيف الشعر والتجميل بالمكياج، ولا في تفصيل وخياطة الملابس، ولكنه يعني «حكم القوي على الضعيف»، ففي مراحل تاريخية معينة، ظل الرجال يحتكرون جميع المهن التي تدر عوائد مالية، وتوارثوا تلك المهن فظلت مهن الطبخ وصناعة الأزياء والتجميل، تحت سيطرة الرجال، وسترتفع بعض الأصوات النسائية بالاحتجاج: عندنا كل الكوافيرات من النساء!! صحيح يا ماما، ولكن هذا حدث في بعض أنحاء دول المنطقة العربية بقرارات حكومية تمنع الرجال من هبش شعر النساء وملامسة خدودهن، ومع هذا فما أن تتجاوز بعض نسائنا الحدود في سفرات خارجية حتى يسلمن رؤوسهن وخدودهن ورقابهن لكوافيرات رجال، من ذوي الشنة والرنة في مجال التجميل وبالمناسبة فإنه ورغم أن أشهر مصممي الأزياء رجالية كانت ام نسائية في العالم من الرجال، فإن من يقوم بالحياكة الفعلية هم النساء، لأنهن أكثر دقة واهتماما بالتفاصيل وأكثر أمانة مهنية.
وأفهم أن كثيرين (من الجنسين) اختاروا العمل في صالونات التجميل وتصفيف الشعر عن رغبة، وأعرف أنه عمل لا ينجح فيه سوى فنان يستطيع ان يبتكر وسائل جديدة لأداء عمله، أو أدائه حسب رغبة أو ملامح كل زبونة (وزبون أيضا فقد دخلنا عصر الكوافير وكي الشعر وتشذيب الأظافر للرجال)، ولكنني لا أتخيل نفسي اغسل شعر شخص غير عيالي وحتى عيالي لا أحشر أصابعي في شعر رأس أي منهم بمجرد أن يتعلم الاستحمام حسب الأصول المرعية، ولا أتمنى أن يغسل شعر رأسي أو يمشطه شخص آخر طالما أنا حي حتى لو كان هذا الشخص زوجتي أو أحد عيالي، ولن أسمح لهم بذلك إلا لـ«الشديد القوي» وهو الإعاقة لا قدر الله، وهنا يحضرني ما قاله الحبيب الراحل الدكتور غازي القصيبي عندما سألوه في حوار صحفي: هل تخاف من الموت؟ فكان رده: أخاف المنية لكنني /أخاف الحياة مع العجز أكثر.
ورغم أن أهلي النوبيين مشهورون بإجادة الطبخ، ورغم أنني أستطيع طبخ بعض الأكلات بدرجة تتفاوت ما بين فوق الوسط وجيد، إلا أنني أتفادى التعامل مع المطبخ، لعدة أسباب أولها أن الأمر يتطلب تقطيع أو تحمير البصل، وعيناي حساستان بدرجة أن الدموع تسيل منهما إذا شاهدت شخصا يقطع البصل في فيلم أو برنامج تلفزيوني، وثانيهما أن من أثقل شيء على قلبي غسل أواني الطعام، ولا مانع عندي في غسل صحن/ طبق أو كوب ولكن أهون على قلبي أن أجلس في مقهى شيشة مع فاروق الفيشاوي لخمس ساعات من غسل قدر/طنجرة/ حلة طبخ واحدة، وبالتالي فإنني لم أكن سأصلح لمهنة الطبخ في مطعم أو فندق.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *