أمثال حاج عباس في الناس!

قال: كنت ضابطاً إدارياً تنقلت بين مدن السودان شمالاُ وجنوباً وغرباً حتی انتهى بي المطاف إلى مدينة أروما في شرق السودان، وهي اليوم مدينة منسية تماماً تقص عليك القصص بلسان الحال كيف تموت المدن، فقد كانت مركزاً لمشروع القاش الزراعي وكان بها مصنع للكرتون كما كان يمر بها خط السكة الحديد الدائري القادم من الخرطوم عبر سنار فالقضارف فكسلا إلى ميناء السودان الذي تركناه دون اسم وصفا علي وظيفته، بورتسودان ! لا أدري عندما جعلوه بديلاً للمدينة التاريخية عروس البحر، سواكن، لماذا لم يطلقوا عليه اسم سواكن الجديدة مثلا ً أو سنكات على المدينة القريبة منه جنوباً بنحو ساعة بالسيارة مثلاً، والتي عجبت لِمَ لا تتخذ مصيفاً يزدان بالشوارع والأبنية الفخيمة سيما وهي معتدلة المناخ !

قلت لنفسي وفيم العجب والسودان على اتساعه تم وصفه ولم تتم تسميته، فهو بلاد تتسم أبشار أهلها وتتشح بالسواد الفاحم وغير الفاحم فهو بلاد السود! ولو أننا سبقنا هيلاسلاسي واحتفظنا باسمنا القديم ، إثيوبيا ، لما غادرنا دائرة التوصيف، بلاد محروقي الوجوه ! يا حسرة !

قالت جدتي بعد الشرح الطويل (مخير الله، مصيبة شنو دي؟! من قلة الأسماء ؟) قالت عندما حججت ثلاثينيات القرن العشرين رحب بنا الجداوون: حباب السنانير! أي سكان مملكة سنار!

ومن أفضل ما جنيت من تجوالي في بقاع السودان حب الأمكنة والناس في سنار والدلنج ، وفي واو ومروي وشندي. وكان حاج عباس من أولئك في أروما، رجلاً طوالاً فاتح السمرة متأنقاً رغم أنه كان في نحو الستين من العمر بجلباب ناصع البياض وعمامة في أغلب الأحيان أو بطاقية تغطي هامته، ولحية دائرية قصيرة وشارب خفيف، وينبعث من أعطافه عطر الريفدور. تحسبه من ناس الشرق لكنه قال لي إنه من نواحي الزيداب في الشمالية ترعرع ودرس في شندي. كان حاج عباس يملك متجراً صغيراً ويؤمنا في زاوية قريبة من متجره في الصلوات الخمس. جمعتنا تجربة التجوال علي كثير من مدن السودان. قال لي إنه ترك حجرات الدراسة بعد الصف الثاني الثانوي في المرحلة الثانوية بسبب مدرس الرياضيات الذي كان يتعمد إهانته. رغم أن أباه كان رجلا متعلما حريصا علي تعليمه وعرض عليه التحويل إلى مدرسة غيرها لكنه استعصى عليه إقناعه بمواصلة تعليمه فتوسط له فحصل علي وظيفة موظف صغير في سكك حديد السودان، وهكذا تنقل بين المحطات والمدن مثلي حتی تقاعد مختارا . وهكذا كانت مادة الأنس بيننا لا تكاد تنفد لكثرة ما فيها من المشتركات. أمر عليه قبل المغرب غِباً ويبدأ السمر ويمتد بعده علي أقداح الشاي وقهوة ناس الشرق بالزنجبيل. قلت له قالوا تزوجت أحد عشر مرة . قال مبتسماً ، وهو يعلم أن إجابات الدنيا كلها لا تكفي للإقناع، ومافي ذلك ؟ ما ارتكبت جرماً ولا اقترفت حراماً، لم أجعل في عصمتي في المرة الواحدة أكثر مما أحلّ الشرع وخالي تزوج سبعة عشر مرة وكما ترى فأنا لم أبلغ النصاب بعد ! ثم ضحك! قلت هل لا زالت لك طاقة لذلك؟ قال نعم ولكني أكتفيت فلي مثل ساكن بغداد ذاك الذي في كل بلد سوالو عيال من كل نوع وصنف لكن ليس فيهم طبيب كان سيسعد بشفائي علي يديه من متاعب الروماتزم. قلت ولكن فيهم مدراء وأساتيذ وأستاذات وتشكيلي عالمي. استدرك مسرورا باستدراكي عليه وكثيرون يفعلون ذلك يستجدون تطييب الخواطر ! “ما قصروا أخذوني للحج مرات وابتنوا لي هذه الدار الفسيحة وهذا المتجر. قلت ولماذا بنوه هنا؟ قال هذه رغبتي فلي من البنين والبنات من معظم المدن التي عملت فيها نحو عشرين بنتا وولداً ولكن آخر زوجاتي كانت من هذه المدينة كانت أجملهن توفيت رحمها الله وخلفت منها بنتا واحدة تعلقت بي كثيرا رغم كونها في كنف زوج كريم وخلفت ذرية تعلقوا بي كذلك ولأن ليس لها أخ أو أخت هنا قررت أن أقضي بقية أيامي بجوارها هنا.

في هذه الأثناء كثيراً ما يتردد الزبائن وهو لا يبرح مكانه بجانبي: جاءت ذات خدر وقفت بعيداً وقالت باستحياء : عمي حاج عباس ، دايره لي علب صلصة . قال لها : أدخلي الدكان تلقيها في الرف الأول والقروش خليها في الدرج وكان ما عندك اكتبيها في دفتر الجرورة واللا ذكريني بيها في يوم تاني. ثم يأتي صبي أو صبية يا عمي الحاج أبوي قال ليك دايريني كروسة كبريت ورطلين شاي وباقة زيت. يقول له باسمه “أنت ولد شاطر بتعرف توزن وتعرف محل الحاجات شيل الدايرو وسجل في دفتر الجرورة.

تعجبت قائلا: كيف تدير متجرك بهذه الطريقة وكيف تثق في كل أولئل؟ قال لي مبتسماً : الناس ديل بقوا زي أسرتي فعرفت أمانتهم ولم يخب ظني فيهم أبدا يكتبون بدقة ما يأخذون . قلة منهم تعجز عن السداد فلا أطالبهم . مستورة بفضل الله والحال ماشي كما تري. كنت أعلم أنه يتجمل فهو رقيق الحال يعيش علي كفاف. صحيح أن بعض ولده من الأثرياء وقد ألحّوا عليه الالتحاق بهم في المدن الكبيرة إلا أنه أحب العيش في أروما مع بنته.

قلت حدثني لم كنت مزواجا؟ ضحك وقال ذكرت لك أني دخلت عالم الوظيفة والتنقلات شاباُ في ريعان الفتوة والفحولة معاً وكان أقراني في ميزات الموظفين يغشون بيوت الرذيلة التي كانت مشرعة وقائمة بالقانون. لكن جدي الشيخ لأبي معلم قرآن ورع علمني بعد أن أقسم عليّ ألا أقارف الزنا وكان أبي أفنديا رقيق الدين يحتج كلما تزوجت : في واو وبابنوسة وفي أمكنة كثيرة ولم يحضر لي زفاف إلا الأخير هنا في أروما وكانت زوجتي كأنها توأم الأسطورة تاجوج عشيقة ود محلق ، فتمني العجوز رحمه الله لو كانت فيه بقية ليفعل فعلي في حسناوات هذه البلدة التي قيل إن اسمها مشتق من الأزاهير البرية الفواحة بالطيب وضحك تارة أخري.

كان يصطحبني أحيانا لمقهي في سوق المدينة فيتحلق حوله الناس مرحبين وكذا أصحاب الحاجات وهو سعيد مبتسم.

وعندما حان موعد نقلي لبلد آخر تفادي كلانا النظر في وجه الآخر لكنه ضمني بقوة وأحسست بالدمع تهاطل علي صدري.

يستمد المرء حب الأوطان من أمثال حاج عباس تكاد تجدهم في كل بلدة يعيشون في سعادة وقناعة بين عامة الناس كالأقمار المنيرة يضمدون الجراح ويمسحون الدمعات والأحزان بالقليل وبالحيلة وبالعدم بالمواساة وطيب القول فلله درهم!

الدكتور الخضر هارون

Exit mobile version