تزوير التاريخ من أجل الكسب السياسي في قضية فصل جنوب السودان

تزوير التاريخ من أجل الكسب السياسي في قضية فصل جنوب السودان:
من أكبر أكاذيب الخطاب السياسي السوداني المعاصر هي الادعاء بأن “الإخوان” ( الكيزان) هم مَن فصّلوا جنوب السودان. الواقع التاريخي يوضح أن قضية الجنوب هي أقدم وأعمق بكثير من أي نظام حكم بعينه. فيما يلي إيجاز للمسار التاريخي:
– جذور الصراع: بدأت الحرب الأهلية السودانية الأولى مع استقلال السودان عام ١٩٥٦، وتم تحضير بذورها قبل ذلك بعقود. خلال تلك الفترة المبكرة، كانت جماعة الإخوان المسلمين كيانًا صغيرًا لا يُذكر، بدون تأثير يذكر على المشهد الوطني.
– استمرارية الحرب تحت جميع الأنظمة: استمرت الحرب الأهلية دون انقطاع تقريبًا تحت كل الحكومات المتعاقبة:
– خلال الديمقراطية الأولى (١٩٥٦-١٩٥٨).
– تحت حكم الفريق إبراهيم عبود العسكري (١٩٥٨-١٩٦٤).
– في عهد الديمقراطية الثانية (١٩٦٤-١٩٦٩).
– في ظل نظام جعفر نميري (١٩٦٩-١٩٨٥)، حيث توقفت مؤقتًا بعد اتفاقية أديس أبابا (١٩٧٢) لتعود بقوة عام ١٩٨٣.
– أثناء الديمقراطية الثالثة (١٩٨٥-١٩٨٩).
– عندما وصلت الجبهة الإسلامية القومية (الإخوان) إلى السلطة عبر إنقلاب عام ١٩٨٩، كانت أزمة الجنوب قد بلغت ذروتها وكانت الحرب مستعرة. شن النظام الجديد حربًا في الجنوب، كما فعلت كل الحكومات قبله. صحيح أنه أضاف بُعدًا “جهاديًا” مكثفًا وزاد من حدة الخطاب، لكن عناصر التعصب الديني والعرقي كانت موجودة عند أطراف النزاع في الشمال والجنوب بدرجات مختلفة عبر التاريخ. وكانت الجماعات المسيحية العالمية توفر دعما سخيا لحركات الجنوب. حارب نظام الأخوان في الجنوب كما حاربت جميع النظم العسكرية والديمقراطية التي سبقتهم. ومع أنهم أضافوا بعدا جهاديا عالي الجرعة ولكن الحماس الديني والتعصب العرقي كان دائما موجودا عند طرفي الحرب بدرجات وتمظهرات مختلفة.
سعى نظام الإخوان لاحقًا إلى حل تفاوضي، فأبرم اتفاقية نيفاشا للسلام (2005) ، التي منحت جنوب السودان حكمًا ذاتيًا واسعًا وضمانًا لحق تقرير المصير. كانت هذه الصفقة سخية للغاية، وتفوقت على أحلام كثير من قادة الجنوب في عطاياه السياسية والإقتصادية في الكعكة الفدرالية والإقليمية. فكانت إتفاقية نيفاشا التي أعطت الجنوب صفقة عظيمة الكرم علي حساب باقي أقاليم السودان. وكانت هذه الصفقة فوق ما حلم به صفوة الجنوب. لذلك لم تتحمس قيادة الحركة الشعبية للإنفصال فتم إغتيال جون قرنق لتسهيل الإنفصال. وبعد ذلك تم الضغط من خارج السودان علي القيادات التي ورثت قرنق لفصل الجنوب. وقد كان.
– بعد توقيع الاتفاقية، تدخلت عوامل معقدة، منها اغتيال جون قرنق لتسهيل فصل الجنوب (الزعيم الجنوبي الذي قدّر الوحدة)، ثم الضغوط الخارجية الهائلة على خلفائه لدفع عملية الانفصال، والذي تحقق رسميًا عام ٢٠١١. وفي النهاية صوت الجنوبيون لصالح الانفصال وذهبوا وقد كان هذا خيارهم.
– أعلاه يعني أن مشكلة الجنوب ظلت موجودة طوال تاريخ السودان لذلك فان قطاعات من الصفوة السودانية تمارس الكذب المسيس بالقول أن الأخوان قد فصلوا الجنوب ثم يتوقفون. هذه أحد أسوأ أكاذيب النخب العلمانية.
– هل الأخوان أبرياء في قضية فصل الجنوب؟ قطعا لا. ساهم الإسلاميون مع غيرهم في تأزيم المشهد ولكن نصيبهم من مسؤلية إنفصال الجنوب مثل مسؤلية جميع الأحزاب الرئيسية ومسؤولية النخب الجنوبية التابعة للخارج المعادي للسودان.
– قد يقول قائل أن الأخوان ساهموا نوعيا في التأزيم لان برنامجهم الديني استقطابي. هذه نقطة معقولة ولكن إدخال الإسلام في السياسة لم يكن حصرا علي الأخوان فقد دعت أحزاب مثل الأمة والإتحادي لدستور إسلامي في سنين طويلة وتبنت برامج إسلامية مثل الجمهورية الإسلامية عند الإتحادي ونهج الصحوة الإسلامية عند الأمة. وحتي الجمهوريون هم جماعة دينية تماما عندها فئة واحدة ناجية وجميع الآخرين علي ضلال ولو كانوا من أهل الإسلام دع عنك عبدة التمساح والكجور.
– إذن الصحيح أن جميع النخب السودانية الشمالية والجنوبية لعبت دورا في فصل الجنوب. كما لعب الخارج دورا رئيسيا في فصل تم التخطيط له على الأقل منذ خمسينات القرن السابق – أي قبل أكثر من أربعة عقود من استيلاء الاخوان علي السلطة في السودان.
– مشكلة الجنوب هي قضية بنيوية في الدولة السودانية الحديثة، ظلت مشتعلة تحت جميع الأنظمة العسكرية والديمقراطية، وبمشاركة وإخفاق جميع النخب السياسية الشمالية والجنوبية.
– ادعاء أن “الإخوان” وحدهم مسؤولون عن الانفصال هو بسيط مخلّ وتزوير للتاريخ، يهدف غالبًا إلى تحقيق كسب سياسي قصير النظر، على حساب نشر الجهل بتفاصيل تاريخ معقد لدى الأجيال الشابة.
– هذا لا يعني تبرئة النظام الإسلامي آنذاك. فهو ساهم بشكل كبير في تأزيم الوضع عبر سياساته الاستقطابية والقمعية، وخطابه الديني المقولب. لكن المسؤولية تاريخية وشارك فيها الجميع:
– النخب الشمالية (بما فيها الأحزاب الكبرى مثل الأمة والاتحادي الديمقراطي) تبنّت عبر تاريخها مشاريع لدولة دينية أو دستور إسلامي، وساهمت في تغييب هوية الجنوب الثقافية.
– النخب الجنوبية كان لها دورها واختياراتها، بتأثير من التحالفات الخارجية.
– لدور الخارجي (الإقليمي والدولي) كان حاسمًا في تشكيل مسار الصراع وتوجيهه نحو الانفصال، بتخطيط يعود على الأقل لخمسينات القرن الماضي بما يقارب نصف قرن قبل قبل صعود الإخوان للسلطة.
ختامًا: تحميل فصيل سياسي واحد (الإخوان) مسؤولية انفصال الجنوب هو رواية مضللة. الصحيح هو أن جميع النخب السودانية المتعاقبة، بشقّيها الشمالي والجنوبي، إضافة إلى الفاعلين الخارجيين، تشاركت في صنع هذا المصير عبر إخفاقات متراكمة، وليس قرارًا اتخذ في عقد واحد. فهم هذه المشاركة الجماعية في الإخفاق هو السبيل الوحيد لاستخلاص الدروس الحقيقية، وليس تكرار أكاذيب سياسية رخيصة.


– الاستثناء الحزبي الوحيد الممكن في قضية فصل الجنوب يعود إلي الحزب الشيوعي السوداني الذي لم يشارك في أي إستقطاب ديني أو عرقي ولم يكن يوما من ضمن أدوات الاستعمار لتفكيك الدول المستهدفة. طوال أيام الأزمة، وبالذات في العقود الأولي، جادل الحزب الشيوعي أن مشكلة الجنوب في الأساس مشكلة تنمية راسمالية غير متكافئة زرعها الاستعمار وعلي الحكومات الوطنية تصحيحها. وساند الحزب كل الحقوق المشروعة لاهل جنوب السودان وفي نفس الوقت أدرك أن قضية الجنوب، على عدالة مطالبها، يتم إستعمالها كمدخل لمشروع إستعماري. وكان موقف الحزب من الذكاء والتركيب بحيث أن ساند كل حقوق أهل الجنوب المشروعة من غير أن يحول نفسه لخادم للاستعمار عن جهل أو طمع. رد الله غربة ذلك الحزب الشريف – أو لتردها الصيرورة التاريخية لمن شاء.

معتصم اقرع
معتصم اقرع

Exit mobile version