الوعي الطبقي في أمريكا وسر محبة الأبجيقات للبليونير ترمب

الوعي الطبقي في أمريكا وسر محبة الأبجيقات للبليونير ترمب:
من أهم سمات الحياة السياسية الأمريكية أن الطبقة الحاكمة الثرية تتمتع بوعي طبقي حاد وشامل، وتظل مستعدة دائمًا للدفاع عن مصالحها وسحق خصومها المحتملين قبل أن يتفاقموا. في المقابل، تتسم الطبقة الفقيرة والعاملة في أمريكا بانعدام شبه تام للوعي الطبقي واحترام الذات.
هناك أسباب عديدة لهذا الوضع الإيديولوجي الغريب في الولايات المتحدة، منها الانقسام العرقي بين الفقراء والطبقة العاملة. يكفي لتحريض الفقراء العاملين ضد الرعاية الصحية المجانية أو برامج الحماية الاجتماعية أن تضليلهم ا بأن هذه البرامج ستعود بالنفع على الأمريكيين السود والمهاجرين الآخرين.
كما أن نجاح كل من الليبراليين والمحافظين في استغلال سياسات الهوية ضد الطبقة الحاكمة يُعد سببًا آخر. ولطالما نجحت دعاية الطبقة الحاكمة في إقصاء الحقوق الاجتماعية والاقتصادية من الخطاب السياسي، وتركيز الانقسام السياسي على قضايا الهوية، مثل النساء ضد الرجال، والمثليين ضد المغايرين، والمتحولين جنسيًا ضد غيرهم، والبيض ضد السود، والمهاجرين ضد الأمريكيين “الحقيقيين”، والمسيحية ضد العلمانية، وباقي الأديان، والحروب علي الدول الأخري وحقوق الأمريكي في إمتلاك السلاح، وما إلى ذلك.
في نهاية المطاف، يتم تشجيع الأمريكي الأبيض الفقير على التماهي مع فصيل من حكامه الأثرياء وكراهية الأعداء الآخرين بسبب لون بشرتهم وهويتهم الجنسية وجنسهم ودينهم وما إلى ذلك. لذلك أحب فقراء أمريكا الملياردير العجيب دونالد ترمب وتماهوا معه كما تماهوا مع سابقه ريغان الذي أضعف برامج الحماية الإجتماعية تحت دعاية القول عن وجود نساء سود بدينات يقدن سيارات كاديلاك إلي مكاتب الحكومة لتلقي الإعانة الإجتماعية (النسخة الأمريكية من نظرية صاحب البرادو المستفيد من دعم الوقود في السودان).
قديما كتب كورت فونيغوت:
“أمريكا أغنى دولة على وجه الأرض، لكن غالبية شعبها فقراء، و حيث يتم حث الفقراء الأمريكيون على كراهية أنفسهم. وكما قال الكاتب الساخر الأمريكي كين هوبارد: “ليس عارًا أن تكون فقيرًا، لكنه يُشبه العار”. في الواقع، يُعدّ الفقر جريمةً بالنسبة للأمريكي، رغم أن أمريكا أمةٌ فقيرة.
لدى كل الأمم الأخرى تقاليد شعبية عن رجال كانوا فقراء لكنهم حكماء للغاية وفاضلون، وبالتالي أكثر جدارةً بالتقدير من أي شخص يملك السلطة والذهب. لا يروي الفقراء الأمريكيون مثل هذه الحكايات. إنهم يسخرون من أنفسهم ويُمجّدون من يعتقدون أنهم أفضل منهم. من المرجح جدًا أن تجد في أفقر مطعم أو حانة، يملكها رجل فقير، لافتةً على جدارها تسأل هذا السؤال القاسي: “إذا كنت ذكيًا جدًا، فلماذا لست غنيًا؟” سيكون هناك أيضًا علم أمريكي صغير جدًا، بحجم كف طفل، مُلصق بعصا مصاصة، يرفرف من صندوق النقود.
يؤمن الأمريكيون، كغيرهم من البشر، بأمور كثيرة لا أساس لها من الصحة. ولعلّ أخطرها اعتقادهم بأنّ جني المال أمرٌ في غاية السهولة لأي أمريكي. فهم لا يُقرّون بصعوبة الحصول على المال في الواقع، ولذلك يُلقي من لا يملكون المال باللوم على أنفسهم بلا توقف. وقد ظل هذا اللوم الذاتي كنزًا ثمينًا للأغنياء وأصحاب النفوذ، الذين لم يُقدّموا للفقراء، علنًا وسرًا، ما يُضاهي ما قدمته أي طبقة حاكمة أخرى منذ عهد نابليون، على سبيل المثال. لقد أتت من أمريكا العديد من المستجدات. ولعلّ أكثرها إثارة للدهشة، وهو أمرٌ غير مسبوق، هو وجود حشود من الفقراء المُهمَلين ولكنهم يكرهون بعضهم بعضًا لأنهم يكرهون أنفسهم.”

معتصم ااقرع

Exit mobile version