سجال صحفي جميل دار بين الأستاذ الكاتب الصحفي الطاهر ساتي، والبروفسير أحمد التيجاني المنصوري حول واقع ومستقبل الثروة الحيوانية، ابتدر النقاش الطاهر ساتي عندما علق على الخطة الاستراتيجية التي أصدرها الوزير، والتي تقول بإقامة 37 مدينة للإنتاج الحيواني في ظرف عامين في كل ولايات السودان، بما فيها نهر النيل والشمالية، فوصف الطاهر الخطة بالخيالية وأنها تسعى لإقامة جسور بدون أنهار، و رد عليه السيد الوزير برسالة صوتية مسجلة مدافعاً ومفصلاً فيها خطته.
مدينة الإنتاج الحيواني تحتوي على ألبان، لحوم، أجبان، مسالخ، أسماك، عسل نحل، وكل الذي منه .. التقط ساتي القفاز مرة أخرى ومفصلا في معيقات الاستثمار في البلاد ضارباً أمثلة حية بما جرى قبل الحرب، وكيف أن رساميل استثمارية عربية ضخمة فشلت في الاستثمار في البلاد وهرب أصحابها ناجين بجلدهم، ذكر منهم الراجحي والعتيبة وأحمد بهجت.
أهمية هذا الحوار الحيوي أنه يفتح ملف الاستثمار عامة وفي مجال الثروة الحيوانية خاصة، فالمتفق عليه أن بلادنا حباها الله بميزات طبيعية كثيرة في مجال الزراعة وبالتالي في مجال تربية الحيوان، فالإنتاج الزراعي والإنتاج الحيواني عبارة عن توأم سيامي، جسد واحد ورأسين لدرجة أنه شاعت اللزمة الاسلوبية (الزراعة بشقيها النباتي الحيواني) مع إن الحيوان يولد ولا يزرع .. لكنهما يشتركان في المتطلبات الطبيعية؛ فنحن في السودان رغم وفرة المقومات من أرض خصبة ومياه عذبة فشلنا في النهوض بالزرع والضرع.
وإثبات الفشل هذا لايحتاج إلى درس عصر، فيكفي أن نعلم أن متوسط إنتاج فدان الذرة عندنا جوالين للفدان مع أن متوسط الإنتاج العالمي عشرين جوال، وأن متوسط إنتاج بقرتنا من الحليب ثمانية أرطال مع إن المتوسط العالمي يترواح بين السبعين والمية رطل .. نفس نسبة الفارق موجودة في إنتاج اللحوم … قال صلاح أحمد إبراهيم:
كل خيرات الأرض والنيل هنالك
لكن مع ذلك
مع ذلك ..
فما هو ذلك الذلك ؟ بعبارة أخرى ماهي أسباب هذة المحقة ؟ ماتقول لي (العين بصيرة واليد قصيرة )، في ظني أن العين ليست بصيرة لأنها لم تبصر مواطن الخلل التي أفضت إلى عدم استغلال الموارد المتاحة، لكن دعونا نحصر الكلام في الإنتاج الحيواني، فكلام طيب أن تكون لوزارة الثروة الحيوانية خطة طموحة مستوحاة من تجارب عالمية وإقليمية، الاستفادة من تجارب الآخرين أمر مشروع ومطلوب لكسب الزمن، فترجمة المثل الإنجليزي تقول (الحياة قصيرة فلابد من اكتساب خبرات الآخرين )..
ولكن نقل تجربة الغير مع تجاهل الواقع المحلي يعتبر قفزة في الظلام … معرفتي الشخصية بالسيد الوزير قديمة، أود أن ازعم زعماً قابلاً للنفي وهو أنني قدمته للرأي العام السوداني .. إذ استضفته في أكثر من لقاء تلفزيوني مطول في طاشرات العقد المنصرم .. فهو صاحب تجربتين في الإنتاج الحيواني، تجربة قبل اغتراب وتجربة في الاغتراب، فقبل اغترابه عندما كان يعمل استاذاً في جامعة الجزيرة، أقام مزرعة إنتاج ألبان في النشيشيبة بمدني، وكانت ناجحة جداً ولكنها محدودة جداً نسبة للامكانيات المحدودة، أما تجربته الخارجية حيث الامكانيات المادية المهولة كانت في دولة الإمارات، حيث كان من المؤسسين ومديراً تنفيذياً لشركة الروابي وهي شركة احتلت موقعاً عالمياً مقدماً في إنتاج الالبان، لقد صار خبيراً عالمياً في الإنتاج الحيواني، الآن أراد الله أن يكون في موقع اتخاذ القرار، فمن أين سوف يبدأ من النشيشيبة أم من الروابي؟
ما طرحه سيادته من خطة طموحة يؤشر أنه زول روابي وليس زول نشيشيبة … هنا يطرح السؤال نفسه ماذا هو فاعل بمطبات الاستثمار في السودان من فساد إداري، وبيروقراطية مقيتة، ودغمسة سياسية، وعدم ثقافة استثمارية عامة، وعوامل لوجستية معيقة كانعدام الطرق المعبدة والكهرباء الدائمة، و المواني المجهزة، والأهم تشريعات قانونية مربكة لدرجة أن معتمد محلية يمكن أن يوقف أضخم مصنع لأنه لم يدفع رسوم النفايات، وكذا موظف الزكاة وموظف الحياة البرية؛ لأن هذه لا تدخل في الاعفاء الضريبي للمستثمر .
كل هذة مطبات مزمنة ومازالت قائمة وليس من المتوقع زوالها قريباً والآن الحرب صنعت واقعاً جديداً فزادت الطين بلة.. ومع ذلك نقول طموحات السيد الوزير مشروعة فالنظر لبعيد مطلوب ولكن تحفظات الاستاذ ساتي واقعية لدرجة استحالة تجاوزها فاين المفر؟
في المقال القادم نحاول الإجابة إن شاء الله …
د. عبد اللطيف البوني
