شهادتي مجروحة في الدكتور عبد العاطي المناعي، المصري المولد والنشأة، السوداني الهوى والميل، وفي درجة حب السودان يتفاوت أبناء مصر، لكن الصعايدة منهم يتفوقون على الجميع، ولي مع د.عبد العاطي، الصعيدي القناوي المناعي علاقة لو وصفتها بالصداقة لغمطتها حقها، فهو أخي الذي لم تلده أُمِّي.
يكفي د. عبد العاطي دليلاً على حب السودان أنه بقي في قلب معارك الخرطوم منذ انطلاق رصاصة الغدر الأولى فى 15 أبريل لمدة زادت على الشهرين وغادرها إلى مدني ثم إلى بورتسودان، ووثق لشهادته في كتابه الموسوم (السودان الحرب والرماد شهادتي على زمن الانهيار) نشرته دار انجاز للنشر والتوزيع.
سأفرد اليوم هذه المساحة لرسالة هامة خطَّها قلم الطبيب الأديب، الرسام الخطاط، الفنان الانسان، عبد العاطي، تحت عنوان (سطر مهم) جاء فى متنها:
بين فترة وأخرى ترتفع أصوات بعض المتفلسفين مناديةً بعودة ضيوف مصر إلى بلادهم، وكأنَّ مصر ضاقت بأهلها وضيوفها معاً، متناسين ما يردده السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي من وصفهم بـ”ضيوف مصر” وهي عبارة تكشف عن أصالة الشعب المصري الذي اعتاد عبر عشرات السنين أن يفتح أبوابه لكل قادم، وأن يكرم من قصد أرضه مستجيراً أو باحثاً عن رزق حلال في مصر التى مرّت عليها قوافل الأنبياء والأمم، ستظل بإذن الله أرض سلام وأمان، يصدق عليها فى معناها قول الحق سبحانه وتعالى عن دار الطمأنينة الأبدية: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]؛ فهى رسالة ربانية بأن الدخول إلى مواطن الطهر يكون فى كنف السلام والأمن، وهذان المعنيان من أظهر ما عُرفت به مصر فى وجدان شعوب المنطقة.
إن أصحاب هذه الدعوات يبررون فكرتهم المريضة بأن ضيوفنا عبء على الاقتصاد، وأنهم يزاحمون أهل البلاد في أرزاقهم، بينما تكذبهم الوقائع على الأرض قبل الأرقام في الجداول .
فتجربة الأشقاء السوريين وحدها تكفي للرد، فقد تعلمنا منهم ومن مهاراتهم العبقرية في فنون التجارة وهم أربابها رغم أنف الجميع وبشهادة التاريخ
فقد أضافوا إلى سوق المأكولات وتجارة الملابس والعطور والحلويات روحاً جديدة، وأسهموا في تنشيط الحركة التجارية عموماً، بخلق فرص عمل، ورفع مستوى الجودة والتنافسية، حتى صار حضورهم الاقتصادى علامة إيجابية وليست سلبية،
فمن تظنون أنهم يضيِّقون عليكم حرياتكم ويؤثرون فى اقتصادكم!! كانوا عوناً لمصر في أصعب سنواتها من ليبيا والسودان واليمن والعراق وسوريا وغيرها من البلاد العربية التي لم تبخل يوماً على القاهرة في لحظات الشدة. فقد كانوا جنوداً في حرب أكتوبر المجيدة، وكانت خزائنهم مفتوحة دعماً لتسليح جيش مصر، وكانت أراضيهم ملاذاً لكليتنا الحربية، (حين دهمنا العدو) وهنا أقصد السودان تحديداً الذى احتضنت أرضه رجالاً وعتاداً حتى تعبر مصر عنق الزجاجة إلى نصرها المستحق.
إن من يحرّض اليوم على ضيوف مصر العظيمة الكريمة العريقة بتاريخها وليس ببعض أمثال هؤلاء الموتورين فإنه يعكر صفو الماء بجهله، وبإعراضه عن قراءة تاريخٍ قريب لم يجفّ حبره بعد،
أقولها كما يقولها الرئيس السيسى مرحباً بكم ضيوفنا الأعزاء وحبابكم مليار بالسوداني، ومراحب بيكم باللهجة الليبية، وياهلا وسهلا بلهجات الشام، وبكل اللغات أهلا بكم .
ويبقى السؤال المشروع: ماذا لو قرر العالم كله أن يأخذ بفكرتكم ذاتها، وأعاد كل المصريين العاملين في الخارج إلى وطنهم دفعة واحدة؟؟
كم ستخسر مصر حينها من مليارات الدولارات التي تضخّها تحويلات أبنائها سنوياً في شرايين الاقتصاد الوطني، دعماً لأسرهم وتنمية لمجتمعهم؟؟
إن من ينادي اليوم بطرد الضيوف، يتناسى أن كثيراً من المصريين أنفسهم هم “ضيوف” مكرمون في دول أخرى، يكسبون رزقهم بكرامة، ثم يردّون خيره إلى وطنهم الأم ..
سطر مهم :
اتقوا الله، واعلموا أن الأيام والليالي دول؛ من سرّه زمنٌ ساءته أزمان، ومن ظن أن قوته وثبات مكانه دائم فقد جهل سنن التاريخ
حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا، وردّكم إلى عقولكم سالمين، قبل أن تفيقوا على واقع لا يرحم من أشعل النار في جسد وطنه وهو يظن أنه يحميه . آه
نضد الله يراع د. المناعي الذي مَحَضَ اخوانه نصحاً، وأوفى بلاده وبلادنا حقهما، وأختار من كنانته سهماً صائباً أرسله من أرض الكنانة ليصيب من أطلق عليهم صفة المتفلسفين في مقتل.نسأل الله أن يتقبل منه، وأن ينصر جيشنا وشعبنا وأن يرد غائبنا وأن يرحم شهداءنا إنه سميع قدير وبالإجابة جدير.
محجوب فضل بدري
