خريف الشرق الأوسط بين الدوافع الداخلية والأيادي الخارجية:
على مدى نصف قرن تقريبًا، وُجدت جماعات معارضة للنظام الإسلامي الإيراني، ولكن أيضا حظي هذا النظام بقاعدة شعبية داعمة.
هذه الجولة الأخيرة من الاحتجاجات كشفت أن الصراع داخل إيران ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل له أيضًا بُعد خارجي مهيمن – إقليمي ودولي.
نعلم جميعًا أن إيران تعرضت لقصف مكثف من إسرائيل والولايات المتحدة عام ٢٠٢٥. ومنذ ذلك الحين، جري التخطيط لسيناريو ثورة ملونة، يتضمن تهريب آلاف من أجهزة ستارلينك لدعم شبكات من المعارضة عند الحاجة.
وعند اندلاع الاحتجاجات الأخيرة الجارية حاليًا، قطعت الحكومة الإيرانية الإنترنت مبررة ذلك بضرورة تعطيل إتصال العملاء من داخل إيران مع داعميهم الخارجيين. لكن الطرف الآخر كان مستعدًا، فقد تم تفعيل أنظمة ستارلينك المهربة مسبقًا لتوفير أدوات اتصال للمتظاهرين مع زملائهم داخل البلاد وخارجها. لكن الحكومة الإيرانية كانت مستعدة أيضًا، إذ تمكنت من تعطيل أنظمة ستارلينك باستخدام تكنولوجيا متطورة قدمتها الصين وروسيا.
ثم فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية تبلغ ٢٥% علي أي دولة تتاجر مع أيران بهدف عزلها إقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا. وما زال الرئيس ترمب يهدد ليل نهار بالتدخل العسكري الغليظ لحسم الصراع داخل الجمهورية الإسلامية.
ن طبيعة هذا التداخل بين العوامل الداخلية والتدخل الخارجي لم تعد حالة استثنائية، بل أصبحت سمةً بارزة في العديد من الأزمات عبر الشرق الأوسط، كما نرى في السودان وغيره وهذا يشير إلي إن تفسير الأحداث في على أنها صراع داخلي خالص بين السلطة والمعارضة هو تبسيط مخل يذهل عن بُعد خارجي حاضر بقوة، بل قد يكون العامل الحاسم في تشكيل ديناميكيات الصراع وتطوراته في كل الإقليم .
وكما ذكرنا سابقا تُظهر ثورات الربيع العربي إن إسقاط نظام ما لا يُفضي بالضرورة إلى بديل ديمقراطي. ففي بعض الأحيان، قد يُمهد سقوط نظام ما الطريق لفوضى أسوأ من الإستبداد، أو يُوفر سقوطه مدخلاً لقوى استعمارية لا يقتصر هدفها على تغيير النظام فحسب، بل يتعداه إلى تدمير أسس الدولة والتأكد من عدم قدرتها علي النهوض مرة أخري ككيان متماسك وهكذا تصبح مجرد دولة فلنقاى لقوي أخري.
وكل هذا يفرض على جميع القوى السياسية والفاعلين الوطنيين الذين ينادون بالإصلاح والديمقراطية، ضرورة ومسؤولية الوعي التام بهذا البُعد الخارجي المعقد. فالنجاح يتطلب فهماً دقيقاً لتداخلاته، ووضعه في الحسبان عند صياغة الاستراتيجيات والخطاب والمطالب والتحالفات في الداخل وعبر الحدود .
فإنكار تأثير هذا العامل أو الاستهانة به، أو تبني سرديات الخارج دون تمحيص والترحيب بها باعتبارها دعماً للحريات الديمقراطية ، هو موقف ينم إما عن قصر نظر وسذاجة في أحسن الأحوال، أو عن تواطؤ مُضرّ مع أجندات خارجية لا تُخدم في نهايتها مصالح الشعب والإستقرار الوطني.
معتصم اقرع
