أستاذ إسحق، هل تستحق هذه الدنيا أن نحياها؟
عبده
أستاذ عبده،
أما نحن المسلمين، فما يجعلنا نتحمل هو الله والوعد الحق. وتعرف ما عندك حين تعرف حال من ليس عندهم. وهاك نحدثك عن تجربة…
…….
(٢)
ود السمين في جلباب، والزين في عراقي وطاقية، يمران بالسدرة الجافة، وتحتها المقابر، متجهين إلى السوق.
ولا الزين هذا وصاحبه ولا السدرة سيعود إليها حديثنا كما تظن.
لا نعود؛ لأنه لا قيمة لشيء… لا الرجلان ولا السدرة، ولا قيمة لشيء مما حولهما في الأرض حتى نهاية الأرض.
وشمس الصباح حولهما مثل شمس أمس، مثل شمس العام الماضي، مثل شمس القرون كلها… طلعت، غابت، طلعت، غابت.
والشاي في البيوت في الساعة تلك، والطبخ والأكل والقول والظن والحزن والفعل… الدنيا تغلي، وكل شيء ليس إلا فقاعة بلا قيمة.
وبعضهم نظر لهذا، وتولستوي لما حمل خرجًا على كتفه وضرب في الأرض كان يتقلب، لأنه رأى حقيقة كل شيء.
رأى وسمع وشم وذاق ولمس، ووجد أن كل شيء ليس إلا… إلا ماذا؟ الكل فارغ إلى درجة أنه لا يوجد له اسم. وفلان مثله، وفلان، وعدد مثل القطيع.
والشاعرة وولف ربطت حجرًا في عنقها وقفزت في النهر… وزحام وزحام، كل واحد عنده حجر في عنقه.
العمل المجنون الذي يغوص فيه الناس… حجر في العنق.
الخمر حجر… التنافس، والفوز، والهزيمة، والألم، والرقص، كلها أحجار يربطها الناس في العنق ويغوصون بها في البحر؛ لأنه لا قيمة لشيء.
حتى الصراخ من الألم يجعل الناس بضاعة يبيعونها غالية… ما هي حناجر الفنانين؟
وقبل ألفي عام، الناس يخلدون قول امرئ القيس؛ لأنه هو القول الذي يبحث عنه كل أحد:
(أذبانٌ وأخلاطٌ ودودٌ
وأجرى من مجلحة الذبابِ
أرانا موضعين لأمر غيبٍ
ونسحر بالطعام وبالشرابِ)
والروح في قمقم داخل كل أحد، تنبح لإطلاقها، تنبح، تنبح.
والفنون الرائعة هي نباح الروح؛ الغناء… الرسم… الكتابات الرائعة… الفلسفة… الـ… الـ…
الصورة هذه هي صورة من يعرفوا إلهًا فهم له منكرون.
لكنّك يا عبده تعرف الله سبحانه، فأنت تمسك بحجر في جدار الهاوية، وتنظر إلى أسفل، وتتسلق إلى أعلى.
عبده… الحياة تستحق أن نعيشها في ظل الإسلام فقط، وما سوى ذلك فلا حياة.
إسحق أحمد فضل الله
