الشكرية .. بني جرار والكبابيش

من دواعي المفخرة لأهلنا ارتباطهم بأصلهم وعقبهم، أيا كان وفي أي زمان، فالرباط الذي يربط قبيلة الشكرية وصقور السرح بني جرار والكبابيش ، هذا الرباط فوق أنه ارتباط دم وقربى ، هو ارتباط بنمط حياة البادية الأصيل، حيث محبة الإبل والشعر، وتوقير القادة، والارتباط الوثيق بالأرض، وقول بيتاي ود الضو يفرض نفسه هنا :
أسياد أم هبج بنحبها ورادتنا
نتقاطر جحافل كل ما نادتنا
حاجات في احترامهن ندلي بشهادتنا
تاريخنا المشرف .. شعرنا وقادتنا
فالقواسم المشتركة بين القبائل الثلاث هي الفروسية والكرم والمروءة والنجدة، ف(الفرود) زيدان ود شكير تزوج من الكبابيش وأنجب ابنيه (علي ومحمد)، اللذين جاءا بأمهما إلى (مشرع الكاملين) حوالي عام 1300 ميلادي، يحملان سيف جدهما شكير ليعرفا بقية قومهما، فعرفهما ابائهما الستة التوائم ، فأخذوا محمد وتركوا علي برغبة أمه ل (يجرها) مع قبيلتها وأخواله الكبابيش، وفي مخاواة الفرسان تظهر الشَّكْرة في مدح مكة بت قُشاط لحفيدها :
ود الناس التلوب
أخوان (موسى) في الغروب
وفي القرن الثامن عشر، وبعد معارك وصراعات بين الكبابيش ودار حامد من جهة ، وبني جرار والزيادية من جهة أخرى حول المرعى ، ومن ذلك عقالات (التمامي وكجمر والحنيك والقرين) ، رغم ذلك ظل بعضٌ من بني جرار يسكن مع الكبابيش ، آمناً في جوارهم، مؤمناً بأنهم يرعون حرمة النسب ويُعزون العشرة والجيرة، وقد تزوج الشيخ سالم ود فضل الله ود سالم من مطرية بنت أحمد أخو الشيخ جلي (بنت عم موسى ود جلي)، وقد قُتل الشيخ سالم على يد التعايشي لاحقاً مع أخيه التوم، ثم عقبهم في النظارة الشيخ صالح ود فضل الله ود سالم، الذي قُتل في جبل العين شمال غرب منطقة الصافية التي تتبع اليوم لمحلية سودري، على يد جهادية التعايشي، وفيه قال الشاعر رباح أبو قنيجي الكبيشابي الكباشي:
يا ركّاب على تيسا خفيف في الطُرق
ويا دخال على الحمى أب حواجبا زُرق
سيد أصهب جهينة أب مناسماً فُرق
إيدك لا أباطها في الدقون الخُرْق
وعطفا على حادثة مقتل الشيخ صالح ود فضل الله أقول أن الكبابيش والشكرية موقفهم من المهدية كان متطابقا ، وقد دفعوا الثمن غالبا في معارضة حكم التعايشي وقتل زعماء القبيلتين وطوردوا، وعبر شعراء القبيلتين عن ذلك شعرا كأنه وقع الحافر على الحافر ومن ذلك قول الشاعر محمد ود مسرة النورابي الكباشي :
ناس تتين علينا رايهم تلفان
مالنا جردوه وخلونا تك ضيفان
أماني ما راح لينا زمان
ومن الصافيي نشغنا وطنب المضعان
وقول الشاعر الكبير الحاردلو :
ناسا بُرُق جبابن
متل الكوركي حرابن
عادم الدرشة عقابُن
أسود يوما جابُن
**
كضبنجي الكبير قال التُرك مكتولة
طفطف عقلو طار من صقعة أب ناتولة
**
يجمع في الجيوش قال ليهم انتو عبيدي
يبهت في الرسول قال النصر بي إيدي
**
وتتسع رقعة هذا الترابط الوثيق لتشمل امتداد أهلنا الكبابيش في مناطق البطانة ، حيث يبرزون كحلقة أساسية في سلسلة النبل والتاريخ المشترك، فأهلنا الكبابيش في البطانة، وخاصة فرعي السعدية في قرية 7 عرب بحلفا الجديدة وأولاد عون في القرية 37 أم القرى ، هم نبلاء عظماء أصحاب تاريخ عريق وأدوار مجيدة في مواقف الرجولة والكرم.
وقد كتب الأستاذ صديق جانفيص مقالا بهذا الشأن حفزني لإستكمال هذه المؤانسة والتي بدأتُ كتابتها منذ فترة ، بعد مؤانسات مع الأخوين العزيزين الزبير ود الدقر وفيصل بابكر الدبيج وهما من أولاد عون بالقرية 37 أم القرى، ويعضد الأستاذ جانفيص عظم مقالتنا بالتجلي الباذخ لنبل أهلنا كبابيش البطانة والذي ظهر في زيارة الشاعر الفحل عبد الله ود إدريس لأهله السعدية الكبابيش في حلفا الجديدة قرية 7 عرب ، حيث كانت الاستقبالات حافلة بمظاهر الكرم والأصالة، وتُعد زيارة الأمير عبد الله ود إدريس، أمير شعراء البادية الغربية، لشعراء ومناطق البطانة المختلفة، شهادة على حيوية التراث الشعري في هذه الربوع، فالبادية هي منبع نضارة اللغة وفصاحتها، ويرتكز شعر الدوبيت فيها على جمال الطبيعة وحسن المعاشرة ووصف الناقة (جقلة)، وقد برع ود إدريس في التباهي بجقلة حتى درجة التعصّب لها،
بقوميته وبداوته وأصالة مفردته ..
وتجسيدا لهذه الآصرة ياتي قول الشاعر أحمد جاد الله، وهو يمدح أهله وأهلنا أولاد عون الكبابيش :
في بطانة أب علي الفيها الجماعة اتلاقو
نحنا أولادنا جيم فورهن ظهر براقو
ما جابولنا خذلة وبالفضيحة انساقو
ينصر دينهن اخوان فاطنة ما ينعاقو
..
ومن ذلك أيضا قول الشاعر أبو ريا الكباشي عن أهله الشكرية :
ديل البردوك يا بطانة وكت تتدكري
ما بدورو لي واجبك تِحمّس وشِكري
في اليوم المتل يوم العقيد الشكري
بتعرفي البكاتل عشان تراب والمكري
..
وللشاعر أبو ريا أيضا مربوعات فخر بأهله في الاستعداد للحرب والتضحية من أجل الكرامة منها :
الحل بالضروس أكان دعالو الداعي
أهلي بزينوا الفوق حدهم متداعي
دكاتري وطبهم ميراث جدود مو صناعي
بطووا الجرح سريع ما برجوا راي الناعي
إن قاويت بقودوك بالغصب مو طواعي
وفيهم ميزي ما بغدروكا .. بمضوك واعي
..
والشاعر الكبير مهيدي أحمد صالح الكباشي له أيضا مربوعات باذخة القوة في ذات المجال منها :
لا زال التوم حسن زي الأسد شاق دربك
سلاحك يخمج الليل والنهار في غربك
نحنا معاكي مهما تجوري ويكتر حربك
عشان يا أم حدب في كل يوم نفخربك
***
شرقك فيهو نوراب الصمود آ بدوري
لو تتعشي بي زول كل يوم ما ضروري
يا أم حدب الهواكي بنصّح الزافوري
زي ما بتدي .. يوم من الأيام بتجوري
***
الخيام الفي الزنادي معسكري ناسو
علي راسو الأمير واتجمعت فراسو
(حسن) شغل المتريس ودق نحاسو
قال الليلي كل زول الياكل العاسو
وحسن المقصود هو الناظر الحالي حسن التوم حفيد الناظر الراحل السير علي التوم الأب الروحي والزعيم الرائد لقبيلة الكبابيش والناظر الحالي حسن التوم والذي يدير قبيلته في منطقة أم سنطة ، صرح قبل أيام ردا على بعض استفزازات الجنجويد :
(إن خفنا من صدف الله لا وفقنا)
ولطالما شكلت الباديتان الغربية والشرقية في البطانة وبادية كردفان، مجالا حيويا لتعزيز الروابط بين القبائل الثلاث، حيث تمتد علاقات الجوار والتحالف عبر القرون، فاشتركت كافة هذه القبائل في الدفاع عن الحمى وحماية القوافل التجارية ، خاصة تلك المتجهة عبر درب الأربعين بين السودان ومصر، وطريق البطانة الرابط بين القضارف ومدينة بربر في العهد التركي، وغيره من المسارات التجارية الحيوية، وكانت مجالس (الجودية) تُعقد لحل النزاعات وإقرار السلم، وحماية العشير و (تبطيره) ، مما عمّق ثقافة الحوار والعرف القبلي الموحد، كذلك تشترك القبائل الثلاث في لهجة عربية بدوية واحدة وتحتفظ بمفردات وأساليب تعبير فريدة تعكس بيئة الصحراء والحياة الرعوية، وفي ساحة الشعر، تجد كل تلك القيم حاضرة: الفزعة، والتحدي، والنجدة…
فالوئام بين الشكرية والكبابيش وبني جرار ليس صفحة من تاريخ الماضي، لكنه واقع حي يستمد قوته من جذور عميقة في التاريخ والثقافة والمصالح المشتركة، وهذا الترابط المتمثل في نمط الحياة البدوي الأصيل والموروث الثقافي الغني والقيم النبيلة، يشكل نموذجاً رائعاً للتعايش والتآخي القائم على الاحترام المتبادل والمصير المشترك، وهو تراث يُحفظ بالفخر، وينتقل للأجيال القادمة، ليس كرواية بل كممارسة يومية وقيم سامية تحكم العلاقات بين هذه القبائل الأصيلة ، ولا زال يعتز كل منا بزعماء الآخرين وخشوم بيوتهم وحتى وسوم إبلهم، من لدن أولاد حيلة، موسى ود جلي وأخيه حسب الله ود جلي ، أحمد الحريرين، حمد ود منزول ، ثم الشعديناب والسناب، أب علي وأب سن وشاع الدين ود التويم، ثم النوراب (فرسان كنجرت)، الشيخ الساني والسير على التوم وأولاد فضل الله ود سالم ، ثم من وسوم الإبل ومنها وسم المطارق الذي يشترك فيه الشكرية وبني جرار وفرع أولاد سليمان من الكبابيش الذين يوسمون ابلهم ب الباعج والشابط والكوع والاشبور ..
يوسف عمارة أبوسن
24 يناير 2026

Exit mobile version