أزمة المدارس السودانية بمصر

بين تقنين الأوضاع وقلق الطلاب وأسرهم… “المحقق” يقف على أزمة المدارس السودانية بمصر
القاهرة- المحقق- صباح موسى
مرة أخرى تعاود شكاوى السودانيين بمصر من تكاثف حملات الشرطة المصرية ضد المخالفين لقوانين الإقامة واللجوء، خاصة في العاصمة القاهرة والمحافظات الكبرى.

جدل واسع:

وشهدت الأيام الأخيرة جدلاً واسعاً بين السودانيين على وسائل التواصل الإجتماعي حول أحاديث تترد عن توقيف طلبة سودانيين بالشوارع والمدارس واحتجازهم، وسط مخاوف من أسرهم خشية ترحيل أبنائهم، في وقت تفًهم فيه البعض لطبيعة الإجراء بأنها قوانين تخص الدولة المصرية ويجب إحترامها، فيما رفضها بعض آخر على إعتبار أنها ستؤثر على مستقبل الطلبة السودانيين بمصر، مصحوبة في الوقت نفسه بمزيد من المناشدات للسلطات المصرية بالسماح بتسهيل الإجراءات حتى لا يحرم عدد كبير من هؤلاء الطلبة من مواصلة تعليمهم في ظل استمرار الحرب السودانية التي اقتربت من إكمال عامها الثالث، ومن غير المعروف متى ستضع هذه الحرب أوزارها.

تقنين الأوضاع:

هذا الموضوع أعاد من جديد قضية تقنين المدارس السودانية بمصر لأوضاعها، والتي سمحت لها السلطات المصرية بأكثر من مهلة لتقنين هذه الأوضاع، إلا أن أصحاب المدارس السودانية يرون في الشروط المصرية لتقنين الأوضاع تعقيداً كبيراً، خصوصاً فيما يلي اتباع المواصفات في الأبنية التعليمية، والتي يراها أصحاب المدارس السودانية مكلفة وليس باستطاعتهم توفير مثل هذه الأبنية في ظل هذه الظروف الصعبة، ومع كثرة عدد الطلاب الموجودين في مصر يضطرون لمواصلة العملية التعليمة في مبان غير مطابقة للمواصفات المصرية.

غير واضح:

وتنقسم المدارس السودانية الموجودة في مصر إلى مدارس مرخصة من وزارة التربية والتعليم السودانية وتدرس المنهج السوداني وتعمل تحت إشراف السفارة بالقاهرة والوزارة بالسودان، إلا أنها في معظمها غير موفقة لأوضاعها في مصر، وهناك مدارس تدرس المنهج المصري وأخرى تدرس منهج دولي “انترناشونال”، وبعض هذه المدارس ليس لديها تراخيص لا في مصر ولا في السودان، إضافة إلى عدد كبير من المراكز التي تُدرس المنهج السوداني ما أدى إلى فوضى وعشوائية، بيد أن كثرة لجوء السودانين إلى مصر هو ما أسفر عن هذه الأوضاع المرتبكة، وفي ظل وضع قانوني غير واضح جاءت هذه الحملات في سياق تشديد الرقابة على العاملين والمقيمين الأجانب عامة بالمخالفة لقوانين الإقامة والترخيص.

إجازة مفتوحة:
وفي اليومين الماضيين لوحظ أن المدارس السودانية بالقاهرة تعطي طلابها إجازة لأيام قادمة متواصلة، رغم أن الحملات المصرية لم تصلها ولم تداهمها، حاولنا البحث في هذا الأمر ومعرفة الأسباب التي أدت لأن يتخذ أصحاب المدارس هذا القرار حتى مع قرب إمتحانات الشهادة السودانية في الثالث عشر من أبريل المقبل؟، وبالبحث تبين لنا أن هذه الحملات لا تستهدف المدارس السودانية ولا الوجود السوداني وحده في مصر، وإنما تأتي هذه الحملات على جميع اللاجئين الأجانب في مصر، والذين بلغ عددهم ما يقارب 10 مليون لاجئ – وفق احصائيات وتصريحات رسمية مصرية – العدد الأكبر منهم للاجئين السودانيين الذين شردتهم الحرب منذ الخامس عشر من أبريل 2023، ومن بينهم عشرات الآلاف من الطلبة السودانيين الذين يدرسون بمصر إما في مدارس مصرية أو سودانية أو أجنبية.

تراكمات سابقة:
السفير عبد القادر عبد الله، قنصل السودان العام بأسوان، أشار إلى أن ملف المدارس السودانية في مصر «له تراكمات سابقة» مع السلطات المصرية، موضحاً أن المدارس المعتمدة من وزارة التعليم والتربية الوطنية السودانية في محافظات صعيد مصر يبلغ عددها 8 مدارس فقط، ولعدد منها فروع خارج أسوان، ليصل الإجمالي إلى 15 مدرسة. وقال عبدالله لــ”المحقق” إن هناك مدارس أخرى يديرها سودانيون لكنها «غير مصدّقة لا من السودان ولا من مصر»، وتدرّس مناهج غير المنهج السوداني، مؤكداً أن القنصلية لا صلة لها بهذه المدارس سوى تقديم النصح بضرورة توفيق أوضاعها القانونية، مشدداً على أنه «لم تُداهم أي مدرسة سودانية معتمدة في الصعيد من قبل السلطات المصرية حتى الآن»، معتبراً أن المشكلة ترتبط بالمدارس العشوائية غير المصرّح بها من البلدين، مشيراً إلى أن الاتصالات ما تزال مستمرة مع الجانب المصري أملاً في التوصل إلى حلول لهذه الإشكالات، مؤكداً أن الامتحانات النهائية «لا علاقة لها بفتح المدارس أو إغلاقها». وأضاف أن السلطات المصرية تتعاون بشكل كبير في ملف الامتحانات، وتسهّل إجراءات امتحانات الشهادة السودانية ومرحلة الأساس، بل وتوفر مدارس مصرية لعقد الامتحانات فيها، معربا عن شكره للسلطات المصرية على هذا التعاون «حرصاً على مصلحة الطلاب السودانيين وأولياء أمورهم»، لافتاً إلى أن عدد الطلاب المتقدمين لامتحان الشهادة السودانية المقرر عقده في 13 أبريل المقبل قارب ألف طالب حتى الآن.

السفارة تسعى:

من جهته قال المستشار الثقافي بالسفارة السودانية بالقاهرة، الدكتور عاصم أحمد حسن، إن عدداً من المدارس السودانية في مصر «لم توفّق أوضاعها القانونية»، مؤكداً أن السفارة تعمل حالياً على معالجة هذه الإشكالات عبر زيارات ميدانية لتلك المدارس شملت القاهرة والإسكندرية وأسوان. وقال حسن لــ”المحقق” إن حملات للشرطة المصرية داهمت بعض المدارس في أسوان والإسكندرية ومدينة بدر، وتم إغلاق عدد منها، مشيراً إلى أن السفارة تواصلت مع وزارة الخارجية المصرية سعياً لإيجاد حلول لهذه الأزمة التي تؤرق كثيراً من أولياء الأمور، وطمأن المستشار الثقافي الطلاب وأسرهم بأن امتحانات الشهادة السودانية ستُعقد في موعدها المقرر في الثالث عشر من أبريل المقبل، مؤكداً أن هذه المشكلات «لن تؤثر على سير الامتحانات».

أسباب الإغلاق:

بدورها قالت مديرة مدرسة وثبة المؤمن بمدينة العاشر من رمضان، إجلال حسيب، إن إدارة المدرسة قررت منح الطلاب إجازة مؤقتة خلال الأيام الحالية «حرصاً على سلامتهم»، في ظل الحملات التي استهدفت عدداً من المدارس السودانية غير الموفّقة لأوضاعها القانونية. وأضافت حسيب لــ”المحقق” أن المدرسة تدرّس المنهج السوداني، وتتعاون مع السفارة السودانية، وتعمل تحت مظلة مدرسة الصداقة، ويبلغ عدد طلابها نحو 350 طالباً وطالبة. وأضافت أن المدرسة تعمل بنظام الدروس، فيما يتوجه الطلاب خلال فترة الامتحانات إلى المدارس الكبيرة المعتمدة من وزارة التربية والتعليم السودانية لأداء الاختبارات، مشيرة إلى أن قرار الإجازة جاء «خشية تعريض الطلاب للاحتجاز أو الترحيل»، لافتة إلى أن معظمهم من اللاجئين ويحملون بطاقات اللجوء (الكروت الصفراء)، ولفتت إلى أن اشتراطات الجانب المصري، خاصة ما يتعلق بمواصفات الأبنية التعليمية، تمثل – بحسب تقديرها – عائقاً أمام تقنين أوضاع المدارس السودانية، قائلة إنها ترى تلك الشروط «تعجيزية» بالنسبة لمدارس تعمل بصورة مؤقتة في مصر، مضيفة: «لا أظن أن هناك مدرسة استطاعت تقنين أوضاعها في ظل هذه الاشتراطات، وليست لدينا المقدرة على ذلك»، وكشفت أن المدرسة مغلقة منذ أسبوع، وقد يستمر الإغلاق إذا تواصلت الحملات، موضحة أنهم في انتظار ما تسفر عنه اتصالات السفارة السودانية بالقاهرة مع الجانب المصري. وأشارت إلى أن مثل هذه الحملات تتكرر بشكل دوري، خاصة في شهر يناير من كل عام، «إلا أنها أكبر هذه المرة»، مؤكدة في الوقت نفسه تفهّمها لوجود عشوائي في أعداد المدارس السودانية بمصر، وقدّمت الشكر لمصر قيادةً وشعباً «على احتضان السودانيين طوال هذه الفترة»، مؤكدة احترامها للقانون المصري، ومعربة عن أملها في أن يراعي الجانب المصري ظروف الطلاب السودانيين في ظل الحرب، وأن تنتهي الأزمة بعودة الجميع إلى بلادهم.

القاهرة- المحقق- صباح موسى

Exit mobile version