على مدار الأعوام الثلاثة التي عاشتها البلاد في ظل الحرب، سيطر التطبيق التقني (بنكك) التابع لبنك الخرطوم على مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ فعقب أزمة البنوك ودمارها وسرقة خزائنها وفقدانها لكل مواردها بالعاصمة الخرطوم، لم ينقذ الموقف سوى تطبيق (بنكك) الذي سهل التعاملات المالية وحرك القوى الشرائية في الأسواق.
واجه قطاع المصارف السوداني أكبر خسائر منذ إنشائه خلال الحرب، حيث تعرض ما لا يقل عن 100 فرع بنكي للنهب، وسُرقت أكثر من 38% من أموال مصارف الخرطوم، ودخلت المصارف في نفق نقص السيولة الحاد بسبب العمليات التخريبية.
وعلى الرغم من ذلك، فقد استحوذ (بنكك) على الحياة الاجتماعية، بعد أن أصبحت صورة “الإشعار الأخضر” تحتل موقعاً مميزاً في مناسبات الزواج، بلجوء المواطنين إليه لدفع ما يعرف شعبياً بـ(سد المال)، إثر تعذر وجود سيولة كافية كما كان يحدث سابقاً.
وأضحى التطبيق الأشهر هو الأول في التعاملات التقنية المصرفية رغم وجود منافسين على الساحة، إلا أنه كان الأكثر صموداً في أيام الحرب الأولى، وهو ما فتح باب التساؤلات حول التطبيقات البنكية الأخرى والأسباب التي تمنعها من القيام بذات الدور.
تقول خبيرة التخطيط الاستراتيجي والتحول الرقمي، د. مروة قباني، إن التطبيقات الإلكترونية استطاعت تجاوز العديد من التحديات التقليدية، مثل البعد الجغرافي عن الفروع المصرفية، وتعقيد إجراءات فتح الحسابات، وارتفاع تكلفة المعاملات النقدية، مما جعل الخدمات المالية أكثر سهولة وشمولاً لفئات واسعة من المجتمع، خاصة في المناطق الريفية والمناطق ذات الخدمات المصرفية المحدودة.
وأشارت قباني في مقالها المنشور اليوم بموقع “المحقق”، إلى أن المواطنين اتجهوا بشكل متزايد نحو استخدام الخدمات الإلكترونية وفتح المحافظ الرقمية عبر تطبيقات الشركات المالية المرخصة من البنك المركزي، مثل تطبيقات: (كاشي، سايبر باي، وبرافو)، وغيرها من التطبيقات التي تقدم خدمات مبتكرة تدعم التحول الرقمي وتسهم في تعزيز الشمول المالي لعدد يفوق الـ 2 مليون مشترك.
وقالت قباني: “خلال فترة أزمة السيولة النقدية، أصبح الاعتماد على التطبيقات المصرفية الإلكترونية خياراً أساسياً لإجراء المعاملات المالية اليومية، حيث ساهمت هذه التطبيقات في تقليل الاعتماد على النقد الورقي وتعزيز الثقة في وسائل الدفع الرقمية”.
وكشفت عن تطور معدلات استخدام البطاقات المصرفية ونقاط البيع والتطبيقات الإلكترونية، حيث بلغ عدد نقاط البيع في المحلات التجارية أكثر من 3500 نقطة قبل اندلاع الحرب، كما تضاعفت معاملات الدفع الإلكتروني أكثر من عشرة أضعاف مقارنة بالفترات السابقة.
وأوضحت قباني أن أبرز التحديات التي تواجه التجربة التقنية في السودان تشمل ضعف الشمول المالي، ونقص السيولة النقدية، ومحدودية انتشار الفروع المصرفية.
بدوره، يرى الخبير المصرفي وليد دليل، أن تطبيق (بنكك) يسيطر على غالبية المعاملات المالية اليومية في السودان، متفوقاً بفارق كبير على منافسيه، عازياً ذلك إلى أن التطبيق يتيح فتح حسابات جديدة كلياً عبر الإنترنت باستخدام الرقم الوطني فقط، مما ساهم في انتشاره الواسع بين غير العملاء التقليديين.
وأشار دليل في حديثه لــ”المحقق” إلى أن أسباب تفوق (بنكك) تكمن في البنية التحتية والانتشار؛ إذ يستند التطبيق إلى تاريخ عريق لبنك الخرطوم (تأسس عام 1913) وشبكة واسعة من الوكلاء “بنكك بلس” المنتشرين في القرى والمدن، بالإضافة إلى المرونة في الأزمات من خلال تحول التطبيق إلى “شريان حياة” للسودانيين خلال فترات النزاع، حيث استمر في العمل لتقديم خدمات تحويل الأموال ودفع الفواتير رغم إغلاق الفروع الفيزيائية.
وأوضح دليل أن الحدود المالية العالية تعد ميزة كبرى للتطبيق، خاصة بعد رفع سقف التحويل اليومي إلى 15 مليون جنيه سوداني، مع إمكانية تحويل 3 ملايين في العملية الواحدة، وهو سقف يتجاوز معظم التطبيقات المنافسة.
غير أن هذه الميزات تعرقل مسيرتها عدة تحديات، تضم الأعطال التقنية؛ إذ يعاني التطبيق أحياناً من توقف جزئي بسبب ضغط العمليات أو تحديثات النظام، بالإضافة إلى التنظيم الرقابي، خاصة بعد أن أصدر بنك السودان في يوليو 2025 قراراً بإيقاف خدمة “iBOK” المخصصة للشركات.
وأكد دليل أن أسباب الاكتساح الكبير لـ(بنكك) ترجع إلى الأسبقية والريادة؛ حيث كان بنك الخرطوم من أوائل المصارف التي استثمرت في البنية التحتية الرقمية، مما منحه قاعدة عملاء ضخمة ومبكرة، بجانب تنوع الخدمات والتواجد الخارجي.
وعن عدم قدرة المصارف الأخرى على إنتاج تطبيقات منافسة، يقول إن المصارف السودانية تواجه فجوة تنافسية تعود لتأخر الاستثمار التقني، ومعاناة بعضها من بنية تحتية رقمية قديمة تجعل تطبيقاتها أقل استجابة وسرعة. وأشار إلى أن تطوير تطبيق منافس يتطلب استثمارات ضخمة في الخوادم والأمن السيبراني، وهو ما تفتقر إليه بعض المصارف تحت الضغوط الاقتصادية.
فضلاً عن ذلك، يلعب “تأثير الشبكة” دوراً حاسماً، حيث يفضل العملاء استخدام التطبيق الذي يستخدمه الجميع (التجار والزملاء) لتسهيل عمليات الدفع، مما يصعب مهمة التطبيقات الجديدة في جذب المستخدمين.
وكشف دليل عن عقبات تواجه التطبيقات البنكية بشكل عام، من بينها تحديات البنية التحتية التي تتجلى في تكرار انقطاع الإنترنت وضعف شبكات الاتصال، بالإضافة إلى المشكلات التقنية المتكررة نتيجة الضغط العالي على الخوادم، بجانب المخاوف الأمنية وتزايد شكاوى العملاء من سحوبات غير مفسرة، مما دفع البنوك لتكثيف حملات التوعية ضد الاحتيال.
المحقق – نازك شمام
