السودان《نجم فبراير》إقليمياً ودولياً

بعد أسبوع واحد من فك الحصار عن مدينة الدلنج ، تمكنت القوات المسلحة الباسلة وبكل جسارة من فك حصار مدينة كادوقلي، دخلت القوات المسلحة منتصرة واستقبلتها جماهير كادوقلي بالأفراح و بالهتافات المؤيدة والزغاريد وأهازيج الفرح بالنصر ، جددت القوات المسلحة العهد بعودة كل المدن لحضن الوطن وتحريرها من دنس المليشيا الإرهابية.

في ذات الوقت تتسارع الأحداث من حولنا دولياً وإقليمياً، بين تسلم مصر رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي، وترأس بريطانيا لمجلس الأمن الدولي، وملف الحرب في السودان هو القاسم المشترك علي كل طاولة، إقليمية أو دولية .

إقليمياً .. مجلس السلم والأمن الافريقي والذي تأسس في العام 2003م ويتكون من 15 دولة ، منها 5 دول يتم انتخابها كل ثلاث سنوات و10 كل سنتين، يشبه إلى حد كبير مجلس الأمن الدولي ، ويتم انتخاب الأعضاء من قبل الجمعية العامة للاتحاد الأفريقي بحيث يحدث التوازن الاقليمي بين دول القارة الأفريقية، وهو المسؤول عن احترام الحدود، والتدخل السريع في حالات الازمات ، وتحقيق التنمية المستدامة بين دول القارة، والالتزام بالدفاع عن القارة الأفريقية والدول الأعضاء في حال حدوث أي عدوان خارجي ، ومكافحة الإرهاب.

تولت مصر رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي منذ الأول من فبراير الجاري ، لمدة شهر ، وتأتي رئاسة مصر للمجلس في توقيت دقيق تتصدره الصعوبات وتكثر فيه التحديات، وظروف إقليمية ودولية متضاربة تتطلب تضافر الجهود و وضع خطط استراتيجية للعبور من الأزمات بسلام ، تدخل القاهرة شهراً يحمل الكثير من التحركات والقضايا الساخنة، أهمها تطورات الأوضاع في السودان ، حيث ستعقد مشاورات غير رسمية على المستوى الوزاري للمجلس مع وزير خارجية السودان يليها جلسات وزارية للمناقشة ، ثم اعتماد التقرير السنوي الخاص بأنشطة مجلس السلم والأمن والمقرر تقديمه من قبل مصر في قمة رؤساء الدول والحكومات الأفريقية للقمة الأفريقية.

علي الصعيد الدولي استلمت بريطانيا رئاسة مجلس الأمن الدولي لشهر فبراير 2026م ، ومن المرجح أن يتسلم مجلس الأمن الإحاطة الدورية التي تعقد كل أربعة أشهر حول الوضع في السودان خلال هذا الشهر، كما تعتزم بريطانيا رفع مستوي الإحاطة إلى المستوى الوزاري ، وكذلك متوقع أن يرفع للمجلس إحالة حول أعمال لجنة العقوبات علي السودان بموجب القرار 1591، والذي أنشئت بموجبه لجنة مجلس الأمن بشأن السودان في 29 مارس 2005م لرصد تدابير الجزاءات ذات الصلة والقيام بالمهام التي حددها مجلس الامن في الفقرة(3 / أ) من القرار نفسه ، ويدعم اللجنة فريق الخبراء المعني بالسودان، وعليه اقترحت بريطانيا أن تقدم لجنة العقوبات تقريرها من خلال بيان مكتوب.
وحسب تصريحات رئيس مجلس الأمن الدولي لشهر فبراير المندوب الدائم للمملكة المتحدة لدي الأمم المتحدة (جيمس كاريوكي) بشأن السودان ، شدد علي أن الأزمة الإنسانية والصراع في السودان يشكلان أولوية ملحة، وأوضح أن رئاسة المجلس ستستغل اجتماع السودان المقرر في 19 فبراير الجاري للتركيز علي تخفيف المعاناة وحماية المدنيين.

علي صعيد متصل ، صرح مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أنه سيتم رفع اتفاقية السلام بين الأطراف في السودان إلى مجلس الأمن الدولي بعد تصديق الرباعية عليها !!! ، وأن إدارة ترامب تسعي لجمع 1,5مليار دولار لمساعدة السودان .. ( هل يعني هذا أن الهدنة مقابل الــ1,5مليار دولار ) ؟؟؟!!!!

هذه الهدن الإنسانية – حسب التجربة السودانية معها – دائما لا تكون مجرد ترتيبات إنسانية بحتة تستهدف تخفيف معاناة الحرب عن المدنيين، بل هي (اختبار) لتوازنات دولية، أو هي (فرصة) لتلتقط المليشيا المنهزمة أنفاسها المقطوعة وتلملم أطرافها بعد هزائمها المتتالية من القوات المسلحة ،، ودائماً يلازمها الاخفاق لأنها تصطدم بمفهوم السيادة الوطنية للدولة.

من يسوق للهدن يتعامل مع الحرب في السودان بوصفها أزمة إنسانية فقط، دون التعامل مع الأبعاد الحقيقية للأزمة بوضوح ، بأنها دولة تواجه تمرداً مسلحاً داخلياً، مدعوماً من عدة دول، بالأسلحة وبالمرتزقة وبالتمويل المستمر والتعتيم الإعلامي المتعمد ، بما يشكل عدواناً خارجياً ضد الدولة السودانية، عدوان يهدد أمنها واستقرارها وسلامة شعبها و وحدة أراضيها ، مما يتطلب أن يتعامل المجتمع الدولي مع هذه الحرب بطريقة مختلفة تماماً عن أي حرب أخرى في العالم.

سؤال برئ: لماذا يتم السعي للهدنة دائماً بعد سلسلة من انتصارات القوات المسلحة وهزيمة المليشيا ؟؟
وسؤال يطرح نفسه لماذا يتحدث (بولس) دائما عن هدنة ولا يتحدث عن (إيقاف الحرب) ؟؟ وسؤال لا يحب بولس أن يطرحه أحد : لماذا يصر بولس علي استخدام عبارة (طرفي النزاع) وهو يعلم تماما، أنها عبارة مستفزة و غير دقيقة ؟؟؟

دولياً ، أعلنت ألمانيا أنها سوف تستضيف في أبريل القادم مؤتمراً مشتركاً يعقد في برلين لدعم السودان ، المؤتمر يعقد في أبريل مع ذكرى اندلاع الحرب في السودان ، باعتباره تاريخ لحدوث أكبر أزمة انسانية في تاريخ العالم الحديث ، هذا المؤتمر سبقه مؤتمر مماثل في باريس عام 2024م ، وفي لندن عام 2025م .

في قراءة سريعة لمجريات الاحداث نجد أن الخطوط تسير في اتجاهات دولية متوازية ، تؤكد علي أن استمرار الحرب وزعزعة ركائز الدولة السودانية يشكل خطراً كارثياً على الاستقرار الإقليمي للمنطقة ، وتحدياً يصعب التعامل معه دوليا دون رؤية دولية متكاملة تحمل في متنها الحلول الحاسمة واستراتيجيات التنفيذ الممكنة علي أرض الواقع فعلا ، لأن مؤتمر باريس الذي عقد في أبريل 2024م وكان أول لقاء دولي يضم الكثير من دول العالم – بعد عام من الحرب – قاده الإتحاد الأوروبي وركز علي الوضع الانساني ودعم وقف الحرب، ثم تبعه مؤتمر لندن في 18 أبريل 2025م وركز علي الوضع الإنساني الكارثي للمدنيين ولابد من فتح ممرات الإغاثة والمساعدات الإنسانية مع الدعوة لهدنة ووقف العدائيات ، وعليه من المتوقع أن يأتي مؤتمر برلين في أبريل 2026م ليكون منصة (ضغط دبلوماسي) بأن تكون المساعدات الإنسانية ممنوحة بشرط التهدئة، مما يجعل دور المؤتمر يتجاوز مجرد الاغاثة والمساعدات الإنسانية إلى المشاركة في وضع ضمانات تفاوضية دولية لوقف الحرب .

لكن الاشكال الحقيقي الذي سيواجه هذا المؤتمر – وواجه المؤتمرات التي سبقته – هو أن العالم يشهد انحساراً في تمويل المساعدات الإنسانية وتراجعاً في مساهمات الدول الكبرى منذ فترة طويلة ، أثرت علي حجم المساعدات نفسها، في المقابل تتسع رقعة النزاعات والكوارث في كل العالم بسرعة فائقة ، مما يجعل المنظمات الدولية العاملة في مجال الإغاثة في وضع لا تحسد عليه وتجعل من هذة المؤتمرات مجرد ( لمة دولية) !!

الخوف الأكبر أن تتحول هذه المؤتمرات مع الوقت إلى مجرد منصات (خطابية) لا تنقذ المدنيين ولا توقف جرائم المليشيا .

في كل الأحوال يبقى الرهان الحقيقي والأمثل هو وحدة الشعب السوداني خلف قواته المسلحة ودعمها لتحقيق النصر وتطهير البلاد من دنس المليشا المجرمة ، وهو المخرج الاستراتيجي لتحقيق سلام حقيقي واستقرار علي أرض الواقع.
فلا إغاثة تغني ولا مؤتمر يُرجى.

د. إيناس محمد أحمد

Exit mobile version