رأي ومقالات

كل قاعات كلية الطب جامعة الجزيرة اليوم تبكي!

كل جدران مستشفى مدني اليوم حزينة وكل قاعات كلية الطب جامعة الجزيرة اليوم تبكي!
آلاف المآقي لاجيال مختلفة صغارا وكبارا رجالاً ونساءً متفرقة في كل العالم ترقرقت منها الدموع ،ولم لا فقد رحل احد أهم أعمدة وأساطين جامعة الجزيرة منذ تأسيسها على الاطلاق.
– يا لؤي السلام عليكم معاك عمر.
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته معليش ما عرفتك؟
– انا عمر أحمد ميرغني
– مممم ما عرفتك والله
– انا عمر احمد ميرغني أستاذ النساء والتوليد بجامعة الجزيرة.

ساعتها صبت فوقي مطرة وكنت قاعد في دولة تانية على بعد آلاف الاميال وبدون ما أشعر وقفت على حيلي طوالي ، وقعدت أعتذر واعتذر واعتذر فالبروف ظل يقاوم فكرة امتلاك هاتف جوال لسنوات طويلة فلم اتعرف على صوته خلاله وحتى هذه المكالمة اجراها من هاتف المريض.
البروف ضحك وقال لي عندي قريبي فلان عندو اشتباه سرطان في الدم Multiple Myeloma وانت عارفني زول ولادة ساكت وانت قالوا بقيت دكتور كبير في القصة دي وهو جاي عليكم بتقدر تساعده؟
قلت ليه بس كدة على العين والراس يا بروف وبعدين انا لسه ديكيتير صغير و نائب أخصائي والعين عمرها ما بتعلى على الحاجب لكن ان شاء الله بعرضه على أحد استاذتنا الكبار في قسم أمراض الدم ، وعندما وصل وأجرينا له بعض الفحوصات الجينية الجزيئيّة والخلوية وعينات من نخاع العظم التي لم تكن حينها متوفرة في السودان وجدنا انه يعاني من التهاب فيروسي تسبب في زيادة الخلايا البلازمية بصورة شديدة ولكنه لم تكن هناك أي آثار لسرطان في الدم وعاد الى البلاد بحمد الله بدون أي علاج أو جلسات.
– الو يا لؤي معاك عمر .
– اهلا يا بروف (طبعاً المرة دي كنت جاهز لأنه الدخلت فوقي المرة الفاتت لسه ما مرقت).
– الزول ده زعلان قال حبة بندول ما اديتوها ليه وضحك، واردف انا هسي في الكرامة حقته والزول ده عندو مصنع زيت في مدني ولمن ترجع السودان تجي تشيل منو جركانة زيت ما يغشك يديك الصغيرة تشيل الكبيرة ويضحك.

وظل قريبه وهو من سكان جزيرة الفيل على ما اذكر يتصل بي كل فترة ثم انقطع التواصل والآن خانتني الذاكرة فلم اتذكر اسمه.
دي كانت آخر مرة سمعت فيها صوته ، رحم الله بروف عمر أحمد ميرغني وأحسن اليه فهو يحتل مكانة خاصة في ذاكرة كل من درس الطب في جامعة الجزيرة، فقد كان معلماً من طراز فريد مخلص في مهنته ولمرضاه ولطلابه ، ومن اراد ان ينظر الى رجل تتمثل فيه أخلاقيات مهنة الطب فلينظر الى بروف عمر أحمد ميرغني.

ومن أراد أن ينظر الى رجل تحبه وتهابه .. وترتاح لمرآه وتسر اذا اعطاك ظهره .. وتجحظ عيناك حين يسألك سؤالاً فتتلجلج فيه وتنفرج أساريرك حين يقول ممتاز يا ابني وكل ذلك في آن واحد فالينظر أيضاً الى بروف عمر أحمد ميرغني.

وهو الاستاذ الوحيد الذي حين تستدعيه الذاكرة يأتي بذات الشكل في الصورة المرفقة بقميص أبيض لم يغيره طوال مسيرته المهنية التي امتدت لأكثر من خمسين عاماً لأنه كان يؤمن بشدة أنه هكذا يكون لباس الطبيب .

وداعاً استاذنا الجميل رحمات الله تغشاك وأسأل الله أن يجعل علمك الذي زرعته في الأجيال صدقة جارية فقد جعلك الله الحي الباقي الفرد الصمد المحيي المميت سبباً لحياة أمهات وأطفال كثر .

لؤي المستشار