تحقيقات وتقارير

كيف يستقبل السودانيون في مصر رمضان هذا العام؟

مع مطلع رمضان هذا العام، تشهد أوساط السودانيين بمصر حالة من الهدوء القلق والترقب، فبينما تؤكد القاهرة رسميًا دعمها للشعب السوداني واستمرار استقبال الفارّين من الحرب، يعيش آلاف اللاجئين والنازحين حالة من الخوف بعد موجة توقيفات غير منتظمة طالت بعضهم خلال الفترة الماضية.

قلق وخوف

مع زيادة أعداد الوجود الأجنبي في مصر في السنوات الأخيرة والتي بلغت -وفق تقارير رسمية- 10 ملايين لاجئ منهم 6 مليون سوداني أتوا فرارا إلى مصر منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل عام 2023، بحثًا عن الأمان في بلد طالما اعتُبر الامتداد الطبيعي والإجتماعي للسودانين، ومع بداية كل عام تنشط حملات أمنية مصرية لإعادة ضبط الوجود الأجنبي في البلاد بتوقيف المخالفيين وحجزهم، إلا أن الحملات هذا العام جاءت أكبر، ولاقت ردود فعل واسعة، نتيجة أخطاء ربما صاحبت التنفيذ، ووجود أشخاص تم احتجازهم رغم عدم مخالفتهم لقوانين الإقامة، ويحملون أوراقهم التي تثبت ذلك، وصاحب ذلك وفاة مسن وشاب في أقسام الشرطة المصرية، ما أدى إلى حالة عامة في أوساط السودانين بالقلق والخوف من الخروج خشية تعرضهم إلى هذا التوقيف، وانسحب ذلك على استقبالهم لرمضان هذا العام والذي بدا مختلفا، إذ اختلطت مشاعر الامتنان بالقلق، والأمل بالحذر، ورغم ذلك ظل الشعور العام لدى معظمهم أن مصر تمثل الملاذ الأكثر أمانًا مقارنة ببدائل أخرى محفوفة بالمخاطر.

حملات أمنية

وشهدت بعض المناطق بالقاهرة حملات أمنية لضبط أوضاع الأجانب غير المقيمين بصورة قانونية، ورغم أن هذه الحملات ليست جديدة من حيث المبدأ، فإن طريقة تنفيذها -بحسب شهادات سودانيين- تركت أثرًا نفسيًا بالغا، ماجعل معظمهم يتصور أن هذه الحملات مقصودة بالسودانيين لعودتهم قسريا إلى بلادهم، رغم أن هذه الحملات كانت لضبط كل الوجود الأجنبي في مصر، وكان هناك احتجاز لجنسيات أخرى أيضا بجانب السودانين، إلا أن زيادة أعداد السودانين بمصر قد يكون سببا أساسيا في انتشار هذا الشعور في أوساطهم بشكل أكبر من الآخريين.

غير ممنهجة

ويقول (م.ع) أحد السودانين المقيمين في القاهرة لـ “المحقق” إن الخوف لم يعد مرتبطًا بغياب الأوراق فقط، بل بعدم وضوح المعايير، مضيفا حتى من لديهم إجراءات قيد التسوية أو حتى اقامات أصبحوا قلقين، في وقت يؤكد فيه آخرون لـ “المحقق” أن التوقيفات بدت “غير ممنهجة” في نظرهم، ما خلق حالة من عدم اليقين، ودفع بعض الأسر إلى تقليل خروجها من المنازل إلا للضرورة، بل امتد ذلك إلى خوف الأسر على أبنائها أثناء التنقل، وتجنب السفر بين المحافظات، وقلق من احتمالات الاحتجاز أو الترحيل، ويظل هذا الشعور بعدم الأمان يتناقض مع الصورة الذهنية السابقة لمصر كمساحة آمنة ومفتوحة للسودانيين.

تنظيم الإقامة

في المقابل، تؤكد الحكومة المصرية مرارًا وقوفها إلى جانب الشعب السوداني، وتشير إلى أنها استقبلت أعدادًا كبيرة رغم الضغوط الاقتصادية، وتتيح لهم خدمات التعليم والصحة بدرجات متفاوتة، وتعتبرهم ضيوف في بلدهم الثاني، كما تشدد البيانات الرسمية على أن إجراءات ضبط الوجود الأجنبي لا تستهدف جنسية بعينها، بل تهدف إلى تنظيم الإقامة وفق القانون، لكن مراقبين ونشطاء يرون أن المشكلة لا تكمن في مبدأ الحملات الأمنية نفسها، بل في آليات تنفيذ هذه الحملات، التي قد تؤدي -دون قصد- إلى خلق مناخ من الخوف لدى اللاجئين الفارين أصلًا من الحرب.

بيان تضامن

في الوقت نفسه أصدر عدد كبير من الشخصيات العامة المصرية من سياسيين وإعلاميين وقانونيين وأعضاء برلمان وأحزاب ونقابات ومنظمات حقوقية وفنانين ومواطنين، بيانًا تضامنيًا بشأن أوضاع السودانيين المقيمين في مصر، أكدوا فيه أن كرامتهم وحقهم في الحياة والأمان “ليسا محل مساومة”، وشدد الموقعون على أن موجة التوقيفات والاحتجاز الأخيرة، وما صاحبها من حالة خوف واسعة داخل الجالية السودانية، تضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية، مؤكدين أن السودانيين لم يأتوا إلى مصر بحثًا عن رفاهية، بل هربًا من حرب مدمرة في السودان تهدد حياتهم يوميًا.

جرح مفتوح

وأشار البيان إلى ما تردد بشأن وفاة رجل مسن وشاب سوداني داخل مقري احتجاز في الشروق وبدر، معتبرًا أن هذه الوقائع ليست أحداثًا عابرة، بل “جرح مفتوح في الضمير الجمعي”، وأن الحق في الحياة حق أصيل لا يجوز المساس به، وطالب الموقعون بفتح تحقيق فوري مستقل وشفاف في حالات الوفاة وكل الوقائع المرتبطة بالاحتجاز، مع إعلان نتائجه للرأي العام وتحديد المسؤوليات بوضوح، وأعرب البيان عن رفضه القاطع لأي احتجاز تعسفي أو إجراءات تفتقر إلى الضمانات القانونية، كما حذر من تصاعد حملات الكراهية والعنصرية على بعض المنصات، مؤكدًا أن مثل هذه الخطابات لا تسيء إلى السودانيين فحسب، بل تسيء إلى مصر نفسها وتاريخ العلاقة بين الشعبين، وأكد الموقعون أن للدولة الحق في تنظيم الإقامة، لكن هذا الحق يجب أن يُمارس في إطار القانون وبما يصون الكرامة الإنسانية، مشددين على أن تطبيق القانون لا يعني الإذلال أو بث الخوف أو تحويل فئة بأكملها إلى موضع اشتباه دائم.

كرامة السودانيين

وطالب البيان مجموعة مطالب رئيسية، أبرزها وقف أي ممارسات قد تؤدي إلى احتجاز تعسفي، خاصة لمن يحملون أوراقًا قانونية، وتمكين المحتجزين من التواصل مع ذويهم ومحاميهم دون عوائق، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، والالتزام الكامل بالمعايير القانونية والإنسانية التي تحمي الحق في الحياة والكرامة والمحاكمة العادلة، ووقف الحملات الإعلامية التي تؤجج التوتر بين الشعبين، واختتم البيان بالتأكيد على أن السودانيين اضطروا إلى مغادرة وطنهم قسرًا لا اختيارًا، وأن الحفاظ على الروابط التاريخية بين شعبي وادي النيل مسؤولية لا يجوز التفريط فيها، محذرًا من أن أي ممارسات تمس كرامة السودانيين تمس في الوقت ذاته صورة مصر وقيمها الإنسانية.

عامل توازن

على أية حال رغم التوتر، لا تزال العلاقات الشعبية بين المصريين والسودانيين تمثل عامل توازن مهم. فقد نشأت علاقات قوية وحميمية بين السودانين والمصريين طيلة الثلاث سنوات التي تلت الحرب، وأزالت الكثير من الصور الذهنية المغلوطة التي كانت تنتشر عن بعضهما البعض، وربما أسس هذا الوجود السوداني في مصر أساسا جديدا لشكل مختلف للعلاقات المصرية السودانية ظل المهتمون بالعلاقة بين البلدين يبحثون عنه عقود طويلة، ورغم استغلال الكارهيين للعلاقات المصرية السودانية لهذه الأحداث “الفردية”، وتضخيمها وتسويقها وانتشارها على وسائل التواصل الإجتماعي بتصوير أن مصر تستهدف السودانين وتريد ابعادهم من أراضيها، إلا أن مافعلته مصر ومازالت تبذله من مجهودات للحفاظ على السودان والشعب السوداني في المحافل الإقليمية والدولية واستقبالها لأكثر من 6 مليون سوداني على أراضيها ثلاث سنوات، يعد ردا قاطعا على هؤلاء الذين دائما يريدون الاصطياد في الماء العكر لتعكير صفو العلاقة بين البلدين.

ومابين امتنان لبلد وفر ملاذا من الحرب للسودانين، وقلق من المستقبل القانوني والمعيشي، وأمل في استقرار الأوضاع أو تحسنها، وخوف من إجراءات مفاجئة قد تغيّر حياتهم بين ليلة وضحاها. يعيش السودانيون في مصر حالة من التوتر والخوف، فالى أي مدى هذا الشعور حقيقي وهل هناك استهداف للسودانين في مصر حقا، وهل يمكن للداخل المصري أن يعيد لهم إحساس بالأمان مرة أخرى؟.

فتحت أبوابها

من جانبه أكد مساعد وزير الخارجية المصري ومسؤول ملف السودان السابق بوزارة الخارجية السفير حسام عيسى، أن مصر فتحت أبوابها أمام السودانيين لسنوات متواصلة، واستقبلت أعدادًا ضخمة منهم منذ اندلاع الحرب، رغم التحديات الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. وقال عيسى لـ “المحقق” إن مصر استقبلت أكثر من ثلاثة ملايين سوداني بعد اندلاع الحرب، إضافة إلى ما يزيد على أربعة ملايين سوداني كانوا يقيمون في مصر قبل النزاع، مؤكدًا أن القاهرة لم تغلق حدودها في وجه الفارّين من الحرب، على خلاف دول مجاورة مثل إثيوبيا التي شددت إجراءات الدخول، موضحا أن موجة النزوح جاءت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد المصري، الذي كان يعاني بالفعل من ضغوط كبيرة نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية للوقود والقمح والسلع الأساسية، مشيرًا إلى أن مصر -رغم هذه الظروف- استمرت في استقبال السودانيين ولم تتخلَّ عن دورها الإنساني تجاههم.

الوجود الأجنبي

وفيما يتعلق بحملات ضبط الوجود الأجنبي التي أثارت قلقًا داخل أوساط السودانيين، شدد عيسى على أنها لا تستهدف السودانيين تحديدًا، بل تشمل جميع المخالفين لقوانين الإقامة والمتسللين من مختلف الجنسيات، وقال إن هذه الحملات تُنفذ في إطار الحق السيادي لأي دولة في تنظيم دخول وإقامة الأجانب على أراضيها، مؤكدًا أن القانون الدولي يقر بهذا الحق، ولا يجوز الخلط بين اللاجئين أو المقيمين بصورة قانونية وبين من دخلوا البلاد بطرق غير شرعية أو خالفوا شروط الإقامة، مضيفا أن الإجراءات لا تمس المقيمين بصفة شرعية، وأن الهدف منها هو ضبط التواجد الأجنبي غير القانوني، وليس التضييق على فئة بعينها، مشيرا إلى أن السلطات المصرية لاحظت خلال الفترة الأخيرة زيادة ملحوظة في عمليات التسلل وتهريب البشر عبر الحدود، موضحًا أن بعض هذه العمليات بات يُعلن عنها بشكل علني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما اعتبره مؤشرًا خطيرًا لا يمكن تجاهله، موضحا أن استمرار هذه الظاهرة كان سيؤدي إلى تفاقم الوضع الأمني والاقتصادي، مشددًا على أن أي دولة في العالم -حتى الدول ذات الاقتصادات الكبرى- ستتخذ إجراءات مماثلة في حال واجهت تدفقات غير منظمة بهذا الحجم، معتبرا أن هناك مبالغة وتهويلًا في تصوير هذه الحملات، مؤكدًا أنها إجراءات تنظيمية طبيعية تطبقها دول كثيرة للحفاظ على أمنها واستقرارها.

اجراءات الترحيل

وحول طول فترات احتجاز بعض المخالفين قبل ترحيلهم، أوضح عيسى أن ذلك يعود إلى إجراءات قانونية وإدارية ضرورية يجب استكمالها قبل تنفيذ الترحيل، وقال من بين هذه الإجراءات التأكد من عدم تورط المحتجز في أي جرائم داخل البلاد، والتحقق من عدم وجود مطالبات مالية أو قضايا معلقة ضده، واستخراج وثيقة سفر من سفارة بلده، والتنسيق مع الجهات المختصة لتأمين وسيلة الترحيل، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات تستغرق وقتًا بطبيعتها، لكنها ضرورية لضمان سلامة الإجراءات القانونية واحترام حقوق الأفراد، مؤكدا على أن التوجه المصري يقوم على الحفاظ على كرامة جميع الأجانب الموجودين على الأراضي المصرية، مع تطبيق القانون على المخالفين دون استثناء، وأضاف أن مصر لا تزال ملتزمة بدعم الشعب السوداني والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيه ومؤسساته، معتبرًا أن بعض الانتقادات تتجاهل حجم العبء الذي تتحمله القاهرة منذ اندلاع الحرب.

اهتمام بالغ

من جهته كشف صلاح حليمة، نائب رئيس مجلس الشؤون الخارجية المصري، عن لقاء جمع المجلس بمجموعة من السودانيين المقيمين في مصر لبحث تداعيات حملات ضبط الوجود الأجنبي الأخيرة، وما ترتب عليها من مخاوف داخل الجالية السودانية. وأوضح حليمة لـ “المحقق” أن الوفد السوداني أعرب خلال اللقاء عن تقديره الكبير للدور الذي تلعبه مصر في دعم السودان واستقبال مواطنيه الفارين من الحرب، لكنه أبدى في الوقت نفسه قلقًا بالغًا من تزايد حالات توقيف السودانيين خلال الفترة الأخيرة، مشيرا إلى أن ممثلي الوفد أكدوا أن هذه الظاهرة بدأت تتسبب في مشكلات إنسانية واجتماعية متعددة، وأن بعض الموقوفين تعرضوا -بحسب روايتهم- لمعاملة لا تتناسب مع الظروف الصعبة التي يعيشونها بعد نزوحهم من السودان، مضيفا أن بعض الشكاوى تضمنت الإشارة إلى توقيف سودانيين بدعوى معارضتهم للنظام السوداني، وهو ما أثار مخاوف إضافية لدى المقيمين، خاصة في ظل هشاشة أوضاعهم القانونية والاقتصادية، مؤكدا أن المجلس استمع إلى هذه الشكاوى باهتمام بالغ، مشددًا على أن القضية تحظى بمتابعة، وأن هناك إدراكًا رسميًا لحساسية الظروف التي يمر بها السودانيون في مصر.

أسلوب إنساني

وأعرب حليمه عن أمله في أن تأخذ الحكومة المصرية هذه الأوضاع الاستثنائية في الاعتبار، وأن يتم التعامل مع المخالفات المتعلقة بالإقامة أو الأوراق الثبوتية بأسلوب إنساني يراعي الكرامة الشخصية، ورأى أن معالجة هذه المسألة يجب أن تتم بطريقة لا تسيء إلى صورة مصر أو تفتح الباب أمام اتهامات بسوء المعاملة، مؤكدًا أن الهدف هو تطبيق القانون مع الحفاظ على البعد الإنساني، وقال إنه من المتوقع أن تعمل الجهات المعنية على الحد من هذه الظاهرة ومعالجة تداعياتها، بما يحقق التوازن بين مقتضيات السيادة القانونية والاعتبارات الإنسانية المرتبطة بوضع السودانيين الفارين من الحرب.

القاهرة – المحقق – صباح موسى