رأي ومقالات

ملخص ورقة الإصلاح الدستوري في السودان

ملخص ورقة الإصلاح الدستوري في السودان: نحو إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع
د. محمد المجذوب.
أولاً: مقدمة وإطار إشكالي
تناقش هذه الورقة طبيعة العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع في السودان من منظور نقدي يركز على أزمة الشرعية البنيوية للدولة المركزية التي تشكّلت في سياق الاستعمار، وما ترتب على ذلك من فجوة مستمرة بين مؤسسات السلطة العامة والبنى الاجتماعية المحلية. وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة السياسية السودانية ليست مجرد خلل إداري أو تعثر تنموي، وإنما هي أزمة تأسيس نظري وفلسفي لنمط الدولة ذاته.
فقد راهنت النخب السودانية، على اختلاف اتجاهاتها الأيديولوجية، منذ الاستقلال على نموذج الدولة المركزية باعتباره المدخل الرئيس لتحقيق التحديث والتنمية والنهضة الشاملة. واستند هذا الرهان إلى قراءة تبسيطية لمسار التقدم الغربي، حيث جرى افتراض أن قيام جهاز دولة مركزي قوي يمثل الشرط الأول للتحديث، بوصفه الحامل المؤسسي للتنمية والتنظيم الاجتماعي.

غير أن هذا التبني تم عبر آلية التقليد والمحاكاة للنموذج الغربي دون إدراك كافٍ للسياقات التاريخية والاجتماعية التي أنتجت الدولة المركزية في أوروبا، الأمر الذي أدى إلى نشوء ازدواجية بنيوية بين أنماط السلطة المستوردة وبين الواقع الثقافي والاجتماعي السوداني، وهو ما أسهم في إنتاج حالة مزمنة من عدم التجانس بين الدولة والمجتمع.
ثانياً: الدولة المركزية وإشكالية النقل الحضاري
تشير الخبرة التاريخية الغربية إلى أن الدولة المركزية نشأت بوصفها تسوية تاريخية للصراع بين القوى الاجتماعية والدينية والاقتصادية في المجتمعات الصناعية، ووسيلة لتحقيق الاستقرار السياسي الضروري لنمو الرأسمالية الحديثة. ومن ثمّ، فإنها لم تكن نموذجاً إدارياً محايداً، بل نتاجاً لسياق فلسفي واجتماعي محدد.

غير أن النخب الوطنية في السودان، شأنها شأن كثير من نخب دول ما بعد الاستعمار، تبنت هذا النموذج باعتباره صيغة كونية صالحة للتطبيق في كل البيئات، دون مساءلة شروط نشأته أو ملاءمته للبنية الاجتماعية المحلية.
وقد أدى هذا النقل غير النقدي إلى محاولة «سودنة» شكل الدولة دون إعادة بناء فلسفتها أو آلياتها من داخل الثقافة الاجتماعية نفسها، وهو ما جعل عملية التوطين سطحية وشعارية أكثر منها تحولاً بنيوياً حقيقياً.

وعليه، فإن الربط العضوي بين الرؤية الحضارية والأداة المؤسسية يجعل من الصعب الفصل بين القيم التي يحملها النموذج التنظيمي وبين نتائجه العملية، الأمر الذي أفضى إلى تغلّب القيم البيروقراطية والمادية على منظومات القيم التضامنية والتشاركية المتجذرة في المجتمع السوداني.
ثالثاً: أزمات الدولة ما بعد الاستعمار في السودان
1. إشكالية الشرعية السياسية
تتمثل أزمة الشرعية في اغتراب نمط الدولة المركزية عن القوى الاجتماعية المحلية، حيث ظلت مؤسسات الحكم تعمل باعتبارها بنية فوقية منفصلة عن المجتمع، لا امتداداً عضوياً له. وقد نتج عن ذلك توتر دائم بين السلطة والمجتمع، انعكس في دورات متكررة من الهيمنة والتمرد وعدم الاستقرار السياسي.
2. إشكالية التحديث والهوية
أدى مشروع الدولة القومية إلى محاولة إحلال هوية قومية مفترضة محل الهويات الاجتماعية التاريخية (الدينية، والقبلية، والثقافية)، دون توفير إطار ثقافي جامع قادر على استيعاب التنوع السوداني. فنتج عن ذلك انقسام في الانتماء الفردي بين الدولة الرسمية والمجتمعات المحلية، مما أضعف الاندماج السياسي والاجتماعي.

3. إشكالية العدالة الاجتماعية
ارتبط الهيكل الاقتصادي السوداني تاريخياً بالاقتصاد الاستعماري العالمي، حيث أُعيد تشكيل الاقتصاد المحلي لخدمة مراكز النظام الرأسمالي الخارجي، الأمر الذي أدى إلى تشويه البنى الاقتصادية التقليدية وتعطيل تطورها الطبيعي، وأسهم في تعميق التفاوتات الاجتماعية والمناطقية.
4. إشكالية اغتراب الإنسان
ارتبط النمط المركزي للحكم بنزعة مادية إجرائية تفصل المجال السياسي عن المرجعيات الأخلاقية والدينية للمجتمع، مما أسهم في توليد شعور بالاغتراب القيمي، وتحول الدولة إلى كيان تنظيمي محايد ظاهرياً لكنه منفصل عن البنية المعنوية للمجتمع.
رابعاً: محاولات الإصلاح التاريخية
لقد شهد السودان محاولتين رئيسيتين لإعادة هيكلة الدولة:
تجربة الحكم الإقليمي في عهد مايو بقيادة جعفر محمد علي بخيت، والتي سعت إلى نقل السلطات إلى الأقاليم، لكنها فشلت بسبب الطبيعة المركزية للنظام السياسي آنذاك.
تجربة النظام الفدرالي (1992–2005) التي أعادت تقسيم البلاد إلى ولايات، إلا أن هيمنة المركز أفرغت الفدرالية من مضمونها العملي. وتكشف التجربتان أن المشكلة لم تكن في الصيغة الإدارية بقدر ما كانت في فلسفة السلطة ذاتها.

خامساً: مرتكزات الإصلاح الدستوري المقترح
يقوم الإصلاح الدستوري المقترح على إعادة تأسيس النظام السياسي انطلاقاً من المجتمع لا من الدولة، عبر المبادئ الآتية:
إدارة التنوع عبر نظام سياسي قادر على استيعاب التعدد الثقافي والعرقي والديني.
التوزيع العادل للسلطة والثروة بما يحد من التهميش والصراعات الجهوية..
ولاية المجتمع على السلطة بدلاً من وصاية الدولة على المجتمع.
وضوح الاختصاصات وتوزيع الوظائف بما يعزز الكفاءة الإدارية والاستجابة لاحتياجات المواطنين.
سادساً: تراتبية السلطة في النظام الدستوري
يقترح النموذج بنية هرمية للسلطة تقوم على:
مرجعية قيمية عليا تستند إلى الشريعة باعتبارها أساس الشرعية الأخلاقية.
سلطة المجتمع القائمة على مبدأ الشراكة العامة وتوزيع الولايات والوظائف.
سلطة قضائية مستقلة موحدة مركزياً، تتولى حماية الدستور والفصل بين السلطات، مع مجلس قضاء أعلى منتخب من داخل المؤسسة القضائية.
سلطة تنفيذية مقيدة دستورياً تمارس وظائفها ضمن حدود واضحة تمنع التوسع السلطوي.
سابعاً: نظام الحكم الاتحادي المقترح
يقترح البحث تبني نظام اتحادي رئاسي معدل يقوم على:
رئيس منتخب يمثل رمز الوحدة الوطنية.
مجلس تشريعي اتحادي منتخب يجمع بين التمثيل السكاني والرقابة الدستورية.
اختصاصات اتحادية تقتصر على الوظائف السيادية: الدفاع، السياسة الخارجية، الاقتصاد الكلي، الأمن القومي، والبنية التحتية الاستراتيجية.
ثامناً: الحكم المحلي والولايات
تمثل الولايات الإطار الأساسي لممارسة السلطة المجتمعية، وتتمتع باستقلال دستوري وتشريعي وإداري، وتشمل:
مجالس تشريعية محلية منتخبة.
محافظ منتخب يقود السلطة التنفيذية.
صلاحيات واسعة في الاقتصاد المحلي، والثقافة، والخدمات الاجتماعية، وإدارة التماسك المجتمعي.
ويهدف هذا النموذج إلى تقريب السلطة من المواطنين، وتقليل فرص الاستبداد المركزي، وتحويل التنوع الاجتماعي إلى مصدر استقرار لا صراع.

تاسعاً: خاتمة
تخلص الورقة إلى أن أزمة الحكم في السودان ليست أزمة أشخاص أو أنظمة سياسية متعاقبة، بل أزمة نموذج دولة. وعليه، فإن الإصلاح الحقيقي يقتضي الانتقال من مركزية الدولة إلى تعاقد مجتمعي جديد يؤسس السلطة على الشراكة الاجتماعية والتعدد الثقافي، ويعيد بناء الشرعية السياسية من داخل المجتمع ذاته.
وبذلك يصبح الدستور أداة لتنظيم المجتمع لا لهيمنته، وإطاراً لتحقيق الوحدة عبر التنوع، لا عبر التماثل القسري.

د. محمد المجذوب