الفساد يقوم مقام الدعم السريع الان في الخرطوم.
ما يُفشل العودة الطوعية ليس صوت الرصاص ، بل صوت الفساد حين يعلو فوق القانون. الحرب تدمر الحجر، لكن الفساد يدمر الثقة، وإذا فقد المواطن ثقته في مؤسسات دولته فلن يعود، ولو صمتت المدافع.
التهديد الأكبر اليوم في السودان هو الفساد والمحسوبية. هذا هو البعبع الحقيقي الذي يخيف الناس أكثر من أي خطر أمني. حين يرى المواطن أن الامتيازات تُمنح بالقرابة، وأن الخدمة تُنجز بالوساطة، وأن الحق يُؤخر لصالح من يملك النفوذ، فهو يدرك أن البيئة لم تتغير. العودة الطوعية تحتاج إلى دولة عادلة، لا إلى شعارات.
الفساد لم يكن نتيجة للحرب فقط، بل كان من أسبابها. حين تُغلق أبواب الفرص أمام الكفاءة، وتُفتح أمام الولاء، تتراكم المرارات، ويضعف الانتماء، ويتحول الاحتقان إلى صراع. أي مشروع وطني لإعادة الإعمار أو إعادة التوطين سيفشل إذا لم يبدأ بإصلاح جذري في منظومة النزاهة والمساءلة.
يلي الفساد مباشرة التسلط الإداري والتقصير. ما زال كثير من موظفي الدولة يتعاملون مع مواقعهم كسلطة شخصية، لا كخدمة عامة. الخدمة المدنية تعني أنك تعمل لصالح المواطن، وأن راتبك يُدفع من أموال الناس، وأن كل توقيع تؤخره يعطل حياة أسرة، وكل معاملة تهملها قد تمنع عودة نازح إلى بيته.
الدولة الحديثة تقوم على ثلاثة أسس واضحة: مسؤولية، ومحاسبة، وشفافية. الموظف العام يجب أن يخضع لتقييم أداء دوري معلن، وأن ترتبط الترقيات بالكفاءة، وأن تُفعل آليات الشكاوى والمتابعة. لا عودة طوعية بلا مؤسسات تحترم وقت الناس وحقوقهم.
إذا أردنا عودة حقيقية، فعلينا أن نبعث رسالة واضحة للمواطن: لن يُطلب منك العودة إلى المكان نفسه بالعقلية نفسها. الإصلاح الإداري ليس ترفا، بل شرط للاستقرار. مكافحة الفساد ليست شعارا سياسيا، بل سياسة تنفيذية تبدأ بقوانين مطبقة، ونظم رقمية تقلل الاحتكاك البشري، وإفصاح مالي واضح، وحماية للمبلغين.
الحرب قد تتوقف بقرار سياسي، أما الفساد فلا يتوقف إلا بإرادة يومية في كل مكتب، وكل إدارة، وكل مؤسسة. حين يشعر المواطن أن الدولة تخدمه بعدل، سيعود. وحين يرى أن المنظومة لم تتغير، سيبقى حيث يجد كرامته مصونة.
وابدو لينا من سفارة السودان بالقاهرة اولا
وليد محمدالمبارك احمد
