إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب

في الحروب لا تتغير معادلات السياسة وحدها، بل تتبدل معها معادلات الاقتصاد أيضًا. فالحرب بطبيعتها تعيد ترتيب حركة المال والعمل، وتخلق واقعًا اقتصاديًا جديدًا تحكمه الضرورة بقدر ما تحكمه الفوضى.

لقد أفرزت السنوات الماضية ما يمكن وصفه بـ “اقتصاد الحرب” ، وهو نمط اقتصادي ينشأ حين تتراجع مؤسسات الدولة وتتآكل قدرتها على تنظيم النشاط الاقتصادي. في مثل هذه البيئات تتقدم الأنشطة غير الرسمية، وتتسع شبكات التهريب والتجارة الموازية، وتتحول حركة المال من الإنتاج إلى الربح السريع. وقد تبدو هذه الظواهر جزءًا من آليات التكيف مع الأزمة، لكنها تتحول بعد ذلك إلى عقبة حقيقية أمام تعافي الاقتصاد، لأنها تعيد تشكيل مراكز القوة الاقتصادية خارج الأطر المؤسسية للدولة.

ومن هنا فإن التحدي الذي يواجه بلادنا اليوم لا يقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل يتجاوز ذلك إلى استعادة الدولة لسيطرتها على الفضاء الاقتصادي. فإعادة الإعمار في أصلها إعادة تشغيل دورة الإنتاج. المياه والطرق والكهرباء باعتبارها شروط ضرورية لعودة الاقتصاد إلى الحركة الطبيعية، والتعافي ولإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة.

لذلك من المهم في هذه المرحلة الحديث عن الزراعة باعتبارها أحد المفاتيح التاريخية للاقتصاد السوداني. فالسودان الذي ظل يوصف لعقود بأنه سلة غذاء العالم العربي وجيرانه، يمتلك من الأرض والموارد المائية والقدرات البشرية ما يؤهله ليجعل من الزراعة قاعدة حقيقية للنمو الاقتصادي. غير أن هذا القطاع الحيوي تعرض خلال السنوات الماضية لقدر كبير من التراجع نتيجة للحرب و اضطراب السياسات وضعف الاستثمار وتآكل البنية التحتية التي كانت تدير العملية الإنتاجية.

ولذلك فإن الحديث عن الزراعة في هذه المرحلة لا ينبغي أن يقتصر على زيادة الإنتاج فحسب، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من عملية إعادة تنظيم الموارد الوطنية. فالسودان، على الرغم من اتساع موارده الطبيعية، ظل يعاني في كثير من الأحيان من غياب الرؤية الاقتصادية المتماسكة التي تربط بين الإنتاج الزراعي والصناعة والتجارة الخارجية.

في هذا السياق تكتسب الخطوة التي أعلن عنها أمس وزير الزراعة والري، البروفسور عصمت قرشي، بتشكيل لجنة قومية دائمة للقطن وإطلاق الاستراتيجية القومية لتطوير سلسلة القيمة للقطن للفترة (2026 – 2030)، دلالة مهمة و جادة تعكس إدراكًا من الحكومة لأهمية إعادة بناء الاقتصاد التي تبدأ من تنظيم الموارد القومية وإعادة توجيهها نحو الإنتاج.

فالقطن في التاريخ الاقتصادي للسودان لم يكن مجرد محصول زراعي، بل كان جزءًا من هوية الاقتصاد الوطني. ومن خلاله تشكلت صناعات، ونشأت مدن، وارتبط السودان بأسواق عالمية. لكن هذا الدور تراجع خلال العقود الماضية نتيجة اختلال السياسات وضعف الإدارة وانهيار البنية التحتية وتداعيات الحرب التي أثرت علي القطاع الزراعي.

لذلك حديث الوزير عن سلسلة القيمة للقطن يعكس تحولًا مهمًا في التفكير الاقتصادي للدولة . فالقضية لم تعد زيادة المساحات المزروعة فقط، بل بناء منظومة متكاملة تبدأ بالتقاوي والإنتاج، وتمر بالتصنيع، وتنتهي بالتسويق العالمي والقيمة المضافة. وهذا التحول، إذا أُحسن تنفيذه، يمكن أن يعيد للقطن السوداني مكانته التاريخية كمصدر مهم للدخل القومي.

غير أن نجاح مثل هذه المبادرات لا يعتمد على السياسات القطاعية وحدها، بل يرتبط بسؤال مهم يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والاقتصاد. فالتجارب الحديثة تؤكد أن التنمية المستدامة لا تقوم على الدولة وحدها، كما لا يمكن أن تُترك بالكامل لقوى السوق. المطلوب هو صيغة متوازنة تقوم فيها الدولة بتحديد الرؤية الاستراتيجية وتوفير البيئة المنظمة ، بينما يتحرك القطاع الخاص بمرونة في استثمار قدرته على التطوير و الابتكار.

وفي المجتمعات الخارجة من الحروب تكتسب التنمية الزراعية بعدًا سياسيًا يتجاوز الحسابات الاقتصادية. فالزراعة لا توفر الغذاء وفرص العمل فقط، بل تسهم أيضًا في إعادة الاستقرار للمجتمعات المحلية، ومجتمعات الريف وتعيد ربط الإنسان بأرضه ومصدر رزقه، وتفتح المجال لاقتصاد حقيقي يقوم على الإنتاج لا على اقتصاد الظل.

ولهذا فإن معركة السودان القادمة ليست في ميادين القتال، بل في ميادين الاقتصاد والإنتاج. فالدولة التي تنجح في تحويل مواردها الزراعية إلى قوة اقتصادية تكون قد وضعت أساسًا متينًا للاستقرار السياسي.

كما أن السياق الإقليمي والدولي لا يمكن تجاهله. فالسودان اليوم جزء من منظومة اقتصادية عالمية، وأسواق القطن والذهب والطاقة تتأثر بالتحولات الإقليمية والعالمية. وهذا يضع الدولة أمام مسؤولية صياغة سياسات، قادرة على حماية الاقتصاد الوطني من تقلبات السوق العالمية، وفي الوقت نفسه تحفيز الإنتاج المحلي بما يضمن قيمة مضافة للمنافسة.

إن الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد التنمية ليس مجرد تحول اقتصادي، بل هو قرار سياسي واجتماعي يتعلق بشكل الدولة التي يريدها السودانيون لأنفسهم. دولة تستعيد قدرتها على إدارة مواردها، وتعيد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج، وتفتح الطريق أمام اقتصاد قادر على خلق فرص العمل وادارة الثروة بمايحقق التنمية الإجتماعية المستدامة.

في هذه اللحظة التاريخية بحسب #وجه_الحقيقة يقف السودان أمام فرصة واعدة، فإما أن يظل أسيرًا لاقتصاد تشكل في ظل الفوضى والصراع، أو أن يفتح الباب أمام مشروع وطني جديد تعود فيه الأرض إلى الإنتاج، وتعود الزراعة لتكون أحد روافع بناء الدولة واستقرارها وامنها .
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 10 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com

Exit mobile version