رأي ومقالات

أخبار يسار تحطيم جهاز الدولة

أخبار يسار تحطيم جهاز الدولة:
مع اندلاع الحرب قبل ثلاثة أعوام، برزت أصوات تقول إن الموقف الصحيح هو رفض طرفي الحرب وتحطيم جهاز الدولة. يمكن رد هذه الدعاوى إلى مدرستين: الأولى هي مدرسة الماركسية-اللينينية، والثانية مدرسة الأناركية. أدناه تعليق على المدرستين.

– أدبيات الماركسية-اللينينية لا تدعو إلى مجتمع بلا دولة عقب الثورة مباشرة، ولكنها ترى أن الدولة ضرورة مرحلية، وأن على البروليتاريا الثورية الاستيلاء على جهاز الدولة وإدارته لبناء الاشتراكية. ومع تقدم الاشتراكية وتطورها إلى مجتمع شيوعي، ستنتفي حاجة المجتمع لهذا الجهاز اللعين، وستختفي الدولة تدريجياً وبسلمية بعد أن يتم تجاوز كل تناقضات المجتمع.
إذا قبلنا هذا المنطق الماركسي، لا بد من ملاحظة أن تحطيم جهاز الدولة مشروط بوجود بديل ثوري بروليتاري جاهز تماماً لتحطيم جهاز الدولة القديمة وتأسيس بديل بروليتاري يحل محله. لا توجد أي إشارات في الأدب الماركسي للتصالح مع تحطيم جهاز الدولة على أيدي عصابات همجية مثل الجنجويد وداعميهم من الخارج.

السؤال الذي يفرض نفسه على هذه طائفة الماركسيين السودانيين: أين بديلهم الجاهز لتأسيس جهاز دولة ثوري بديل؟ لا أعتقد أنهم يمتلكون أي بديل جاهز أو يمكن تجهيزه في خمسين عاماً. ولا أعتقد أن أعداد أصحاب هذا الرأي وشيعتهم تكفي لملء بص أبورجيلة، فدع عنك تدمير جهاز الدولة وبناء بديل يحل محله.

إذن، لا مفر من استنتاج أن تحطيم جهاز الدولة في الوقت الراهن سيخلق فراغاً تملؤه شراذم الجنجويد والعصابات. وستلتهم دول الجوار ودول البعيد ما شاءت من لحم السودان، وستتم تصفية كاملة للسودان ككيان سياسي ومجتمعي. وستكون اغتصابات الهلالية والجنينة والفاشر أمراً روتينياً، والجنجويد يأكل الضعيف.
– المدرسة الثانية الداعية لتدمير جهاز الدولة تنتمي إلى الفكر الأناركي. في هذا الفكر، لا وجود للدولة كضرورة مرحلية كما هو الحال في الفكر الماركسي. في اليوتوبيا الأناركية، بعد تحطيم جهاز الدولة، يجب أن تقوم مكانه وتفي بمهامه منظومات مجتمعية قاعدية لا-هرمية. السؤال الذي يفرض نفسه على الأخوات والإخوة الأناركيين: أين هذه التنظيمات الشعبية الجاهزة للقيام بما تقوم به الدولة؟ لا أعتقد أن هذه التنظيمات موجودة خارج خيال سياسي متسع وشديد الخصوبة.

إذن، إسقاط الدولة دون وجود أي بديل واقعي سيعني فراغاً لا توجد فيه أي مؤسسة قادرة على تشييد بنية تحتية، ولا إدارة نظام قانوني، ولا إنفاذ المعايير الصحية، ولا على تنظيم المدارس والجامعات، ولا إدارة جيش وبوليس وأجهزة أمنية. وهذا يعني عملياً تسليم السودان للعصابات والأعداء ودول الجوار المتربصة. وقد ذكرت سابقاً أنه في حال انهيار الدولة، لا أعرف كيف يسافر سوداني للخارج للعلاج أو التعليم أو زيارة أقارب أو للترويح، وهو يحمل جواز سفر صادر من “اللجنة القاعدية لجذرية أم عضام، ريفي المسلمية التابعة للحصاحيصا كاونتي”. ولا أدري ما هي الدول المستنيرة المستعدة لقبول سوداني بمثل هذه الأوراق الثبوتية الجذرية. هذا مع العلم أن الداعين لتحطيم جهاز الدولة ما زالوا يجددون جوازاتهم في سفاراتها.
– ختاماً، حتى لا نظلم المدرستين الأناركية والماركسية، يجب القول إنهما يريان أن اضمحلال الدولة هو المرحلة الأخيرة من هدف طويل الأمد، تسبقه تطورات اقتصادية وسياسية واجتماعية عميقة. إلا أن أياً من هذه التطورات لم يترسخ بعد في الدول الاسكندنافية، فدع عنك جمهورية الدوسان. لذا، من المهم ملاحظة أن الدعوة إلى تدمير الدولة في بلد متخلف كالسودان تمثل آراء أصحابها السودانيين الذين يدعون إلى ذلك، ولا تعني أنها بالضرورة تمثل رأي المدرستين الأناركية والماركسية أو كل معتنقي هذين المذهبين. هو رأي سوداني يمثل أصحابه بغض النظر عن سلامته أو غيابها.

معتصم اقرع