في الخامس من يناير 2024، لم أكن أغادر السودان فحسب، بل كنت أخرج تقريبا من “جلدي القديم”.
فقد غادرتُ الخرطوم محملاً بعبء ستة عقود من “الأسباب”، لأجد نفسي في ليلتي الأولي باوغندا مجرداً من كل شيء؛ بلا جواز سفر، بلا مال، وبلا مأوى مألوف. في تلك اللحظة، توقفت الساعات الأفقية التي تحصي السنين أمام عيني، وبدأ عداد “عمري الحقيقي” الذي يُقاس بـ “أكسجين اليقين”.
كيمياء القدر:
إن ما يراه العالم “لجوءاً” أو “انكساراً”، كشفت لي “كيمياء القدر” أنه عملية تكرير روحية كبرى.
لقد عطلت يد الله الأسباب المادية عن عمد عني، لترفع عن عينيّ حجاب “المُلك” الظاهر، كي تدعني أحدق مباشرة في “ملكوت” باطن.
حين سقطت الأوراق الرسمية عن حساباتي، بقيتُ أنا.. “العبد” في مواجهة “الرب” مباشرة. هناك، على طاولة فندق غريب بكمبالا، كتبتُ بالقلم “عرضحالي” الأول للخالق، قائلا بالنص: “ربي إني ضيفا عليك أحل”، لاكتشف لاحقا أن نوع هذه الاستضافة الربانية لا يحتاج إلى تأشيرة دخول، وأن الكفاية الإلهية هي العملة الوحيدة التي لا تنهار قيمتها أمام الحروب.
مقام الصفر:
يسألني البعض: “من أنت الآن في هذه الغربة؟”. أقول لهم بكل اعتزاز: أنا “صفرٌ صغير” على شمال ثمانية مليارات إنسان علي ظهر هذا الكوكب.
هذا الصفر ليس ضياعاً، بل هو بالضبط “نقطة الارتكاز” التي حررتني من أثقال الأنا. فالصفر لا يخشى النقصان لأنه لا يملك شيئاً، ولا يطمع في زيادة مادية لأنه باب الإمتلاء ٌ بالواحد.
أتصور الآن أن شعوري بكوني “صفراً” صغيراً هو ما جعلني منسجماً مع ذرات الكون كلها هنا، مع شجر يوغندا وتلالها وبحيراتها وصخورها وغربانها، ليملأني شعور بأني قد صرتُ جزءاً من هارموني كوني واسع لا يعترف بأية حدود أو سدود.
سونا
