السم بالسكر فى أمريكا

الزيت والسكر وصلا إلى انتخابات أمريكا.. وهذا شىء يجب أن يلفت أنظارنا كثيراً، لأنه «مش كل شوية بنشوف» محاولات تحويل أعرق الديمقراطيات الليبرالية إلى طابونة تسلطية. لكن هذا ما يحدث بالفعل، وكما يعرف كل من يهمه الأمر، فانتخابات مجلس النواب والشيوخ النصفية فى شهر نوفمبر المقبل ستكون هى الفيصل فى الموضوع.. أمريكا: إما تتحول أو لا تتحول، سيكون هذا هو المطروح.

الرئيس الأمريكى هو أول من يعرف ذلك بالطبع، ومن ثم اتباعه «استراتيجية الزيت»، التى أتت هكذا: إذا كسب الحزب الجمهورى —المخطوف من حركة «ماجا أمريكا» التى يتزعمها ترامب— إذا كسب حزبه الانتخابات، سيمنح الرئيس كل أمريكى ٥٠٠٠ دولار. فكرة «منحة الريس» تلك، حسب خطابه، أن عهده شهد رخاءً غير مسبوق فى تاريخ بلاده، ومن ثم حاول الإيحاء بأنه «رئيس مودرن»، يتصرف مثل صاحب شركة ناجحة يقوم بتوزيع المكافآت على أصحاب السهم فى الشركة عند الربح.. لم يلاحظ أن أصحاب الأسهم لا يختارون رئيس الشركة، ومن ثم لا يمكن أن يقوم برشوتهم.

ما علينا.. لنحلل الموضوع خطوة خطوة. هل أمريكا فى طفرة اقتصادية غير مسبوقة؟ بالقطع لا؛ هناك بالفعل انتعاش فى سوق المال (وول ستريت)، لكنه مرتبط بصفقات البيع والشراء والسمسرة وليس بالإنتاج. أما فى مجال الإنتاج، فهناك ازدهار فى مجال الـ«هايتك»، لكنه مركز لدى كبرى الشركات التى يسيطر عليها أفراد أخضع ترامب معظمهم لدائرته السياسية.. بل إن «زواج رأس المال بالسياسة»، كالعادة، كان فى اتجاهين: أولاً انتفاع البيزنس من الحكم، ثم انتفاع الحكم من البيزنس. بما فى ذلك مكاسب واسعة النطاق، قُدِّرت بالمليارات، لعائلة ترامب.

كل هذا معروف بالطبع من دول ساد فيها التسلط السياسى، لكنه يظهر لأول مرة بهذه الطريقة الفجة واسعة النطاق فى ديمقراطية ليبرالية عريقة. وكما فى حالات مماثلة كثيرة، فإن الطفرة الاقتصادية المحدودة لا تصل للمواطن العادى، الذى يشعر بالغلاء وتدنى القدرة الشرائية. كذلك مع التقنيات المعهودة منذ القدم، ومنها إغراء المواطن من خلال منحة الريس أو الملك. لكن ما المرجح أن يشعر به الناس فعلاً مع سيادة هذا الأسلوب فى إدارة الأمور؟

لكى نرد على هذا السؤال، يجب أن نسأل أولاً: من أين ستأتى هذه الأموال، إذا كسب حزب ترامب فى انتخابات نوفمبر المقبل؟ الحكومة الفيدرالية، حيث مصدر الأموال، ليس عندها فائض يمكن أن تصرف منه؛ فرغم ادعاءات ترامب عن عظمة اقتصاده، فالحكومة مدينة بأحد أكبر معدلات العجز منذ الحرب العالمية الثانية، ويُقدَّر بحوالى تريليونى دولار.. حسبة بسيطة إذن تشير إلى أن منحة الخمسة آلاف دولار ستزيد هذا العجز بأكثر من تريليون وربع تريليون دولار (حوالى ١.٣٥ تريليون بالتحديد)، أى بنسبة ٦٣ بالمائة.

الآن، إذا كان الحال كذلك، أى أنه ليس هناك فائض بل عجز مهول، كيف سيأتى ترامب بالكاش إذا فاز حزبه وقرر تنفيذ وعده؟

الطريق الأول هو المزيد من الاستدانة، وهو ما سيدخل الدولة فى دوامة من الديون سيكون من الصعب السيطرة عليها، خاصة مع افتقار المواطن وتقليل الضرائب على الأوليجارك الداعمين لترامب والمسيطرين على المال. أما الطريق الثانى فهو معروف كذلك من العالم الثالث، وهو طبع الفلوس (الدولارات)، مما سيزيد من التضخم وانخفاض قيمة الدولار بطريقة حادة، حتى تصبح قيمة الـ٥٠٠٠ دولار «هى والعدم سواء».

يبدو من الواضح أن فيما سبق خسارة كبيرة للمواطن فى النهاية، حتى إذا حصل على كمية زيت وسكر معتبرة فى البداية. لكن هناك بالطبع خيار آخر أمام ترامب إذا كسب حزبه انتخابات نوفمبر «مستريح»: يمكن بكل بساطة ألا يلبى وعده ولا يعطى أحداً ٥٠٠٠ دولار أو غيره.

«هيعملوا إيه يعنى»؟

فى مجتمع تعددى يمكن أن يخسر سياسياً إذا لم ينفذ. لكن ترامب أمامه خيار تجاهل ذلك؛ لأنه إذا كسب سيتحرك هو وحزبه سريعاً لتكسير ما تبقى من ضوابط توازن سلطتهم، بل ولإلغاء إمكانية إجراء انتخابات فى ظروف حرة كلياً من القيود فى المستقبل القريب.. فى مثل هذه الظروف، لن يكون مهماً بشكل كبير إذا لبى ترامب ومن خلفه عهودهم للناخب، لأن المواطن سيكون مكبلاً وصوته مكتوماً.. الخلاصة: سينتقل الخيار من يد المواطن إلى يد ترامب وحزبه. وكما مع أى حركة شعبوية، سيتم سلب صوت الناس باسم «الشعب»، أى باسم الحركة الداعمة لترامب والمستقبل المشرق الذى تعد به. ومن لا يؤمن به سيكون خارج فئات الشعب المعترف بها.

هل سيقع المجتمع الأمريكى فى فخ سلب إرادته طواعية، كما حدث فى مجتمعات أخرى؟ استطلاعات الرأى تشير إلى أنه سيميل للخيار العقلانى رغم إغراءات ترامب، لكن من المرجح أيضاً أنه ستكون هناك محاولات تلاعب.. فى كل الأحوال، التجربة الأمريكية فيها «بث حى» لدرس مهم يشير إلى سلاسة التحول نحو انغلاق المجال العام والسياسى، حتى بعد ربع ألفية من الزمن، على عكس صعوبات ومخاطر التحول العكسى نحو الانفتاح، كما عرفناها فى مصر.

عمرو الزنط – المصري اليوم

Exit mobile version