“الذكاء الاصطناعي” بين الهيمنة العالمية والهشاشة العربية

لم تكن استقالة جاموب كوكسون من شركة أنثروبيك “Anthropic”، إحدى أبرز شركات الذكاء الاصطناعي المنافسة لـ OpenAI مجرد انسحاب فردي، بل جاءت لتكشف عن مخاوف سياسية عميقة إلى جانب المخاوف التقنية والاقتصادية من زيادة قدرات الذكاء الاصطناعي على العالم.

كوكسون أشار إلى أن النماذج الحديثة لـ”AI” قد تبدأ بتطوير قدراتها ذاتياً، ما قد يجعلها ترفض أوامر البشر، وأن المنافسة بين الشركات الأميركية والصينية تدفع إلى تنازلات في معايير السلامة، والأخطر أن باحثين في المجال بدأوا يستخدمون مصطلحات مثل مرحلة الحسم والمرحلة النهائية لوصف المسار نحو ذكاء اصطناعي ذاتي التحسين.

في متابعة لهذا الحدث ظهرت بالفعل حوادث وسلوك غير متوقع من نماذج تابعة لشركتي OpenAI وAnthropic، مثل تبني أهداف ضارة ومحاولة إخفائها عن البشر، هذه المخاوف التقنية ترافقت مع أزمة داخلية في OpenAI نفسها، حيث شهدت استقالات جماعية شملت 12 مسؤولاً تنفيذياً، فيما حذّر سام التمان من أن التطور السريع قد يقود إلى مشكلات خطيرة في الأمن السيبراني، وسط دعوات لتدخل حكومي أو تنسيق دولي لإبطاء وتيرة التطوير وضمان معايير السلامة.

لكن هذا الخطر له اذرع متعدد ، فمثلا في البعد السياسي يظهر ان التطور الذاتي لانظمة الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة أكثر خطورة، وليس أدل من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المدافع عن هذا التطوير المستمر بعض النظر عن نتائجه، فهو يتبنى خطاباً داعماً لهذه الشركات، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي جزءاً من التفوق الأمريكي على الصين، ويربطه بقطاعي النفط والدفاع، ما يجعل دعمه لها جزءاً من مشروع اقتصادي–عسكري، هذا الدفاع يعكس عقلية ترى في التكنولوجيا أداة للهيمنة الجيوسياسية، حتى لو كانت المخاطر على البشرية قائمة.

في المقابل، تتعامل الصين مع الذكاء الاصطناعي كمشروع قومي طويل الأمد، مدعوم بخطط خمسية ورؤية استراتيجية واضحة مثل أن تصبح القوة العالمية الأولى في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، وبالمناسبة هذا يزيد من حدة السباق العالمي ويجعل الشركات الأمريكية أكثر اندفاعاً للحاق بها، لكن لابد ان نذكر ان الصين تركز على التطبيق العملي وتستثمر في الذكاء الاصطناعي لتطوير قطاعات محددة مثل المراقبة، الأمن الداخلي، التصنيع الذكي، التجارة الإلكترونية، والطب، كما انها تمتلك قاعدة بيانات ضخمة لتدريب النماذج ما يمنحها ميزة تنافسية، اضافة الى انها ترى أن الذكاء الاصطناعي جزءاً من مشروعها الجيوسياسي الأوسع “مبادرة الحزام والطريق”.

وعلى الصعيد الاقتصادي فالمخاوف من التطور المذهل في مجال الذكاء الاصطناعي لها مبرراتها، فبحسب تقارير مؤسسات دولية فإنه قد يحل محل ما يصل إلى 300 مليون وظيفة عالمياً، تشمل القانون، المحاسبة، إدخال البيانات، وخدمة العملا، وهنا لابد من ان نذكر تحذيرات البنك الدولي من غياب التنظيم الحكومي للاستخدامات الذكاء الاصطناعي.

وفي قراءة لمجموعة من الفرص والتحديات لهذه التقنية نجد ان مجالات التوظيف والعمل الأكثر عرضة للتضرر، فلابد ان تتراجع حصة العمل من الدخل العالمي إلى أقل من 50% مع احتمالات انهيار استثماري نتيجة الإنفاق الهائل على مراكز البيانات ، اما على مستوى الدول النامية ومنها الدول العربية فان التحدي يكمن في التوقعات التي تشير الى انه سيتم استبدال 92 مليون وظيفة في المنطقة بحلول 2030، ما يجعل إعادة تأهيل القوى العاملة ضرورة استراتيجية.

اما في قطاعي الطاقة الكهربائية والمياه فان التقديرات تشير إلى أن مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي ستستهلك نحو 945 تيراواط/ساعة من الكهرباء بحلول العام 2030، أي ما يعادل استهلاك عدة دول كبرى مجتمعة، إضافة إلى ما يقارب 9.3 تريليون لتر من المياه سنوياً لأغراض التبريد والتشغيل، وهي ارقام مرعبة ستضغط على الموارد الطبيعية للدول خاصة تلك التي تعاني من قلة انتاج للطاقة الكهربائية واخرى تعاني من فقر او شح في الموارد المائية، عدا عن الاثار البيئية السيئة.

واذا ما اسقطنا تبعات الذكاء الاصطناعي على الدول النامية ومنها الدول العربية، فاننا نجد إن الجمع بين هذه المخاوف التقنية والاقتصادية والسياسية والبيئة يضع الدول العربية أمام تحدٍ مصيري، فمن جهة، هناك خطر فقدان السيطرة على أنظمة قد تُستخدم في الأمن السيبراني أو حتى في تطوير أسلحة، ومن جهة أخرى هناك تهديد مباشر لسوق العمل، حيث تشير التقديرات إلى احتمال استبدال عشرات الملايين من الوظائف في المنطقة بحلول 2030، أما سياسياً، فإن دفاع ترامب ورؤية الصين تجعل الذكاء الاصطناعي أداة في صراع القوى الكبرى، ما قد يفرض واقعاً اصطناعياً على الدول النامية برمتها دون أن يكون لها دور في صياغته.

أن المنطقة العربية إذا لم تتحرك بحذر، ستجد نفسها رهينة لهذا السباق العالمي، حيث تُفرض عليها نماذج اصطناعية تهدد استقلالية القرار الاقتصادي والسياسي، والمطلوب ليس الانسحاب من هذه التقنيات بل التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة مزدوجة، بحيث تتم الاستفادة منه في رفع الإنتاجية وبناء قدرات محلية، وفي الوقت نفسه وضع تشريعات صارمة للحوكمة وتجنب الغوص العشوائي في هذه التقنيات، مع اهمية التعاون الإقليمي لإنشاء مراكز مشتركة للذكاء الاصطناعي، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وكلها خطوات ضرورية لتفادي الوقوع في فخ الهيمنة الاصطناعية، وتحويل هذه الثورة من تهديد إلى فرصة للتنمية المستقلة.

لما جمال العبسه – وكالة عمون الإخبارية

Exit mobile version