جعفر عباس

مِهن ومِحن (51)


[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] مِهن ومِحن (51) [/B][/CENTER]

هناك مهنة ما زلت أتمنى لو أملك الحد الأدنى من المهارات لمزاولتها، وهي مهنة النجارة، فالنجار بالضرورة شخص فنان، والنجار في دول العالم السفلي (العالم الثالث تأدُّباً)، أكثر موهبة فنية من نظيره في الدول المتقدمة صناعيا، لأنه يضطر إلى استخدام يديه ودماغه لصنع أو صيانة شيء يستخدم فيه الخشب، بينما نظيره في الدول المتقدمة لديه بلاوي كهربائية وإلكترونية لتقطيع وحفر الخشب بمقاسات دقيقة وتلميعه وترقيعه وتركيبه، وكان جيمي كارتر من أخيب من شغل منصب الرئاسة في الولايات المتحدة، لا لعلة في أسلوبه في الإدارة، ولكن لأنه لم يكن يفهم أن الأمر يتطلب الخبث والمكر والكذب والخديعة والتضليل، فقد كان أصلا فلاحا يزرع الفول السوداني، ودخل السياسة كرجل بسيط، مسلحا بقدر كبير من القيم والمبادئ، ولما فقد منصبه كان أول شيء فكر فيه هو شراء أدوات النجارة، وسألوه: لماذا النجارة بالذات وهي تتطلب جهدا جسمانيا عاليا لا يقدر على بذله من هو في مثل سنه، فكان رده إن النجارة تتطلب التركيز الذهني الشديد والاهتمام بالتفاصيل، وإن الجهد الجسماني الذي تتطلبه خير وبركة على الصحة العامة، ثم أضاف: المتعة الحقيقية في النجارة هي أن تبذل الوقت والجهد لتصميم شيء ما ثم تراه مكتملا، فتحس بأنك مبدع أتى بشيء جديد، لأن كل ما يصنعه أي نجار «جديد» حتى لو كانت هناك ملايين الأشياء التي تشبهه في كل القارات، فإذا صنعت طاولة مكتب وهناك مئات الملايين من طاولات المكاتب في العالم فإن تلك الطاولة تكون مميزة وتختلف ولو في جزء بسيط من تفاصيلها عن الطاولات الأخرى.
ما يحزنني هو أنني فاشل تماما في استخدام يدي لإنجاز أي شيء، فحتى تجميع جهاز مثل المكنسة الكهربائية أشتريه مصحوبا بإرشادات كيفية تركيب وربط أجزائه يستغرق مني أكثر من ساعة وربما الاستعانة بصديق، وأحيانا أفكر في الاتصال بالمتجر الذي اشتريته منه لأسألهم ما إذا كانت هناك «خيارات» لتركيب أجزائه، وبالتالي فإنني رغم شغفي بالنجارة ورغم امتلاكي معظم أدوات النجارة، لم أنجح يوما ما حتى في دق مسمار على النحو الصحيح لربط رجل كرسي مخلخلة، وياما استخدمت المنشار لقص قطعة خشب سمكها أو عرضها 3 سنتيمترات في خط مستقيم، فينحرف المنشار بزاوية حادة وتصبح القطعة غير صالحة للاستخدام إلا كحطب حريق.
ومع هذا فإنني عازم – إذا مد الله في أيامي – وتقاعدت عن العمل الرسمي على تعلم أصول النجارة، لأنني أصلا أعشق الفنون التشكيلية، ولكن عمى الألوان وعلة في يدي تجعلني أعتزم رسم خط مستقيم فيأتي شديد الاعوجاج، أو متعرجا، جعلت ممارستي شكلا من أشكال الرسم أمرا مستحيلا، ولهذا فإنني اعتزم بإذن الله تلقي دروس خصوصية في النجارة لأقوم بتشكيل الخشب كما أشاء، وسأفشل عدة مرات ولكنني لا أخاف من الفشل وأعرف أن من لا يفشل لا ينجح، ولن أمارس النجارة بهدف الكسب المادي بل للمتعة، وسأهدي منتجاتي للأقارب والأصدقاء رغم أنوفهم، يعني حتى لو رفضوها فسأحملها بنفسي وأضعها في بيوتهم، أو أتبرع بها للأسر الفقيرة، ومثلي الأعلى في هذا والد زوجتي المولع بصيد السمك، ويجلس على شاطئ النيل نحو عشر ساعات ثم يحمل حصيلته من الأسماك ويلف على بيوت الأهل والأصدقاء ليوزعها عليهم وهو في منتهى السعادة لأن المتعة عنده في صيد السمك وليست في أكله.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *