النيلين
مصطفى أبو العزائم

من الذي رفع السلاح أولا ؟

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] من الذي رفع السلاح أولا ؟ [/B][/CENTER]

من واقع التجارب الإنسانية يظل الوطن جزءا من النسيج النفسي والمعنوي والفكري والوجداني لأي مواطن حتى وان اختار البعد عن وطنه او اجبر عليه . اكتب هذه المادة من مطار دبي العالمي في انتظار النداء الأخير لرحلة شركة طيران الامارات المتجهة الى الخرطوم والتي تغادر عند الثالثة عصرا ، ودواعي كتابة هذه المادة ودوافعها عدة مواقف أبطالها مواطنون سودانيون ، أختارو العيش خارج الوطن لكن الوطن ظل داخلهم وليس من ذلك الأمر فكاك .

بقيت في الكويت منذ اليوم العشرين من مارس الحالي حتى يوم امس ، بدعوة كريمة من الديوان الأميري للمشاركة في تغطية أعمال القمة العربية الخامسة والعشرين ، ومعي من الزملاء الأخ والصديق الاستاذ احمد البلال الطيب ، الصحفي العلم ، والأستاذ شوقي عبد العظيم مدير الإدارة السياسية بصحيفة الخرطوم الغراء ، الذي منحتني هذه الرحلة فرصة عظيمة لاكتشافه والوقوف على قدراته ومتابعته الدقيقة لكل تفاصيل المشهد السياسي السوداني ، وتفاصيل التحولات التي يشهدها مجتمعنا من واقع التغييرات من حولنا ، وكانت الزيارة فرصة لنا لان نجدد اللقاء بالأخ والصديق القديم مولانا الدكتور محمد احمد سالم الخبير الدستوري والقانوني الكبير والرئيس السابق لمجلس الأحزاب ، والذي هاجر هو نفسه الى دولة الكويت الشقيقة منذ نحو سبعة اشهر ليعمل مستشارا في إحدى مؤسساتها الكبرى . ظللنا نلتقي مع مولانا محمد احمد سالم وعدد من أبناء الجالية السودانية بالكويت بصورة شبه يومية . ولا حديث يدور سوى الحديث عن الوطن ، والمستجدات التي يشهدها على مستوى الوسائل التي تحاول الحكومة ان تبتكرها للخروج من الأزمات التي توجه البلاد سواء كانت طبيعية او مفتعلة ، ودار حديث بيننا في اخر ليلة لنا بالكويت ، عن رفع السلاح في مواجهة الدولة ، أسبابه ودوافعه ، وتاريخ استخدام العنف في تصفية الخلافات السياسية ، وحدث شبه إجماع على ان اول استخدام للعنف في مواجهة الدولة كان في أحداث توريت عام 1955م والذي راح ضحيته مئات من المواطنين الشماليين ، ذبحا وتقتيلا وتصفية لم تستثن شيخا او امرأة او طفلا ، وهو ما انتج الغبن في نفوس السودانيين الشماليين ، وأصبحت هناك ثأرات مبيتة في النفوس تنتظر لحظة الإطلاق والانفجار . ما كان لي ان اعلم ان ملفات التحقيقات في تلك الاغتيالات مازالت موجودة وشارك فيها قضاة سودانيون وأجانب ، لولا ان قال لنا بذلك مولانا الدكتور محمد احمد سالم وأنها في أضابير معلومة تنتظر من يسعى وراءها . أسباب تمرد توريت معروفة ، لكن الإعدامات التي تم تنفيذها في عهد حكم الرئيس الفريق ابراهيم عبود – رحمه الله – وصحبه الكرام الذين نفذوا اول انقلاب على السلطة الشرعية المنتخبة في السودان في 17نوفمبر من العام 1958م ، والتي طالت عددا من ضباط الجيش السوداني أعطت بما سال فيها من دماء حمراء إشارة خضراء لتصفية المناوئين لأي نظام حكم جاء الى السلطة عن طريق الانقلاب ، وكان هذا أوضح ما يكون في مذبحة ( جامع ود نوباوي) الدامية بأم درمان بدايات الحكم المايوي المسنود من اليسار والحزب الشيوعي السوداني ، ثم اغتيال الإمام الهادي المهدي – رحمه الله – ثم المحاولة الشيوعية الفاشلة للانقلاب على الرئيس نميري في العام 1971م وما تخللها من إعدامات بالجملة منها ما جاء عبر مذابح مقصودة ومنها ما كان محاكمات صورية لم تكن الا ردة فعل لتلك المذابح ، ثم توالت الأرواح صعودا الى السماء والدماء تدفقا على الأرض في سبيل انتزاع السلطة او المحافظة عليها ، الى ان انهار النظام المايوي عقب انتفاضة شعبية عارمة في 6 أبريل من العام 1985م ، ومع ذلك مازالت دماء الضحايا تسيل ، وقويت شوكة التمرد واتسعت رقعته ، ووجد السند والدعم من بعض الأحزاب التي ما كان لها من اثر على ارض الواقع طوال الفترة الانتقالية وما تلاها مما نسميه فترة الديمقراطية الثالثة .

حدث الانقلاب على الديمقراطية الثالثة في الثلاثين من يونيو من العام 1989م وحمل اسم ( الإنقاذ) للحالة المتردية التي وصلت إليها البلاد آنذاك ، لكن الأحلام وحدها لا تبني الأوطان ولا طموحات أهل الحكم اذا ما كان هناك تنازع على السلطان ، ووجد الغرب فرصته لدعم كل المناوئين للنظام الجديد الذي رفع الشعارات الإسلامية ، وعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية ، وبدلا عن تمرد واحد برز أكثر من تمرد ، وحمل كثيرون السلاح في وجه السلطة ، وانشغل الحاكمون بتأمين البلاد مع سعيهم الواضح لإنشاء البنيات ، لكن الأطماع في إبعادهم عن مقاعد الحكم لم تقل او تتناقص ، بل زادت وحدثت المواجهات ، واستشهد الآلاف دفاعا عن العقيدة والوطن ، وسالت دماء غزيرة روت ارض السودان بكل اتجاهاته ، وامتد العنف الى الجامعات ، والى الشوارع مثلما حدث عند عودة زعيم ومؤسس الحركة الشعبية جون قرنق ويوم مصرعه في حادثة الطائرة الأوغندية .

الان أصبحت دارفور مسرحا للقتل بالأسلحة الرديئة ، التي لا تفرق بين الناس ، واصبح العنف جزءا من ممارسة السياسة ، ومنهجا للاحتجاج ، لذلك علينا ان ننتبه وان نعمل على ترسيخ معنى الدولة لا الحكومة فالدولة يجب ان نحافظ عليها جميعنا ، والحكومة اما نتفق معها او نخالفها معارضين لسياساتها بالوسائل والأساليب الديمقراطية بعيدا عن حمل السلاح ، وعلى الحكومة نفسها قيادة هذا الخط حتى لا نخسر وطنا فقدنا وافتقدنا ثلثه .

انتقلت من داخل صالة الانتظار في مطار دبي الى داخل الطائرة لأجد ان جاري في الرحلة هو الأخ الدكتور عمر ادم رحمة ، رئيس لجنة الطاقة في المجلس الوطني ، وكان الحديث عن الشأن العام والقضايا الوطنية الكبرى ، واتفقنا على انه دون التخطيط الاستراتيجي الفعلي ونشر الوعي بين النخب والعامة لن تقوم لنا قائمة . اللهم احفظنا واحفظ بلادنا وانصرنا على من عادانا ومن أراد بنا شرا ، اللهم اجعل كيده في نحره واصرفه عنا ، وألزمنا اتباع الحق يا الله يا رحمن يا رحيم يا رزاق يا كريم يا مالك الملك يا ذا الجلال والإكرام يا ارحم الراحمين . أمين

وجمعة مباركة
[/SIZE][/JUSTIFY]

بعد ومسافة – آخر لحظة
[EMAIL]annashir@akhirlahza.sd[/EMAIL]

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.