جعفر عباس

مهن ومحن (62)


[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] مهن ومحن (62) [/B][/CENTER]

هناك مهنة نبيلة انقرضت ولو من الناحية الظاهرية، ألا وهي مهنة (الداية) القابلة، أعني بذلك الداية التي كانت تطوف على البيوت لتوليد النساء الحوامل عندما يداهمهن الطلق، وجميع أبناء وبنات جيلي مولودون داخل بيوتهم، بل كثيرون منا التقوا بالدايات اللواتي سحبن أرجلنا وخرجوا بنا إلى الدنيا، وكانت للدايات مكانة اجتماعية عالية، فقد كن ماهرات بتراكم الخبرات، ولقلة أعدادهن، فحتى ظهور المستشفيات وبدعة الولادة فيها، كانت هناك عادة داية مقابل نحو 5000 امرأة، وكثيرا ما حدث أن اشتد الطلق على سيدة فهرعوا إلى الداية «الزبون» ليكتشفوا أنها في بيت بعيد تساعد امرأة أخرى على الولادة، وفي مثل هذا الحال كان هناك خياران، الأول أن يعود الموفد لإحضار الداية إلى السيدة التي على وشك الولادة ليقول لها: احترمي نفسك وهدئي اللعب شوية.. وخلي البيبي معاك نص ساعة والداية في الطريق.. أو يتوجه الموفد إلى داية تعمل خارج نطاق حي السيدة المتوجعة، نعم فقد كان تقاسم لمناطق نشاط القابلات، وكان لكل مجموعة من الأحياء قابلة خاصة، ولكن الظروف الاضطرارية كانت تستوجب استجلاب قابلة/ داية لتقوم بالتوليد في حي لا يقع ضمن «اختصاصها».
وفي عالم اليوم الذي صار فيه الحمل والولادة يخضع لحسابات باستخدام جداول اللوغريثمات، ويتم فيه التجسس على عورة الجنين وعمره في بطن أمه شهر واحد، لمعرفة ما إذا كان ذكرا أم أنثى (بالمناسبة لماذا يحرص الناس على معرفة جنس الجنين قبل ولادته رغم أن تلك المعرفة لن تقدم أو تؤخر، بمعنى: هب أنك تتمنى أن يقول لك فني أشعة الموجات الصوتية إن الجنين «ولد»، فإذا به يفاجئك: مبروك بنتان توأم!! هل ستقول له: من فضلك حاول ولو واحد من التوأم يصير ولد؟ يعني معرفة جنس الجنين لن تغير أو تؤثر في الأمر، ولن تقدم أو تؤخر)، المهم في هذا الزمان أيضا توجد دايات في كل مستشفيات الولادة، والفرق بينهن وبين الدايات اللواتي سحبن أرجلنا أنهن يحملن بكالريوسات، ويلبسن قفازات معقمة، بينما لم تكن الداية التي سحبت رجلي تملك قلامة أظافر فخرجت الى الدنيا مخربشا ولكن سليما بصفة عامة.
بعبارة أخرى فإن مهنة الداية لم تمت بل صارت علما يتم تدريسه في الجامعات والمعاهد العليا، بينما كانت الدايات اللواتي قمن بتوليد أمهاتنا وجداتنا، منذ ما قبل العصر العباسي بألف سنة أميات ولكنهن كن «مثقفات» في شؤون الحمل والولادة، أي لديهن دراية تامة بأصول وتعقيدات المهنة، ولهذا كانت تلك المهنة متوارثة داخل عائلات معينة، فيتعلم جيل جديد فنونها من الجيل الأقدم، ولهذا رأيت أن أقدم اليوم تحية من القلب إلى كل دايات عصر ما قبل البكالريوس لأنهن كن يؤدين مهامهن بكفاءة في غياب وسائل تعقيم المشارط والمقصات، وما لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا قط هو أن التوليد هو أقدم فرع للطب على الإطلاق، فمنذ فجر البشرية والنساء تحبل وتلد، بمساعدة نساء أخريات وشيئا فشيئا تخصص بعض النساء في المجال وصرن دايات معترف بهن، وإلى يومنا هذا مازال للداية دور كبير في أرياف العديد من الدول، ويتعاملن بكفاءة مع نساء لم يسمعن بـ«الغايني» والسونار.
ولكن دايات هذا الزمن راحت عليهن، ففي السودان كانت الداية تحظى كتقليد ثابت برجل خروف وكذا رطل من السكر أما إذا جاء المولود ذكرا فقد كانت تتلقى «بونص» كان يصل أحيانا إلى خمسين قرشا وهو مبلغ مهول كان يكفي مهرا لبكر.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *