كوش نيوز .. أخبار السودان بين يديك

إنها الفرصة



شارك الموضوع :
[JUSTIFY]
إنها الفرصة

:: خُطب الجمعة كانت عن الفساد، وهذا ( تطور ملحوظ)، لقد غادر الشيوخ محطة خطب السلطان عبد الحميد إلى تناول قضايا الساعة.. ومع ذلك عندما يكثر حديث الناس والصحف والمنابر عما يحدث للمال العام، تأتي إلى الخاطر (تجربة مارينا) ..مارينا، فنانة و باحثة صربية ذات حياة ثرة بالتجارب الإنسانية المدهشة..ومن أشهر تجاربها، مغامرة أرادت بها إختبار سلوك البشر في حال منحهم الحرية المطلقة في إتخاذ أي قرار..قررت مارينا الوقوف – في مكان عام – بجانب طاولة ست ساعات بلا حراك.. وقفت صامتة كما التثمال، وكانت قد وضعت على لطاولة بعض السكاكين والأزاهير والعصي والحلوى وأكواب ماء ومسدس وغيره..!!

:: في ساعتها الأولى، لم تثر وقفتها إنتباهة المارة، والسيارة ولم يسألها أحد عن ( سر الوقوف).. ولكن بعد ساعة أخرى، أثارت مارينا إنتباهتهم بحيث كانوا يعبرون بجوارهما بدهشة تتساءل عن ( سر الوقوف )..ثم توالت ردود أفعال المارة والسيارة تجاه وقفتها الصامتة.. تقدم أحدهم ووضع زهرة بين أصابعها، ولم تشكره مارينا ولم تبتسم..وتقدم آخر و وضع قطعة حلوى على فمها، فلم تمضغها ولم تشكره..وجاء الثالث وأجتهد في سقيها، ولم تتحرك مارينا ولم تشكره ..!!

** تلك كانت ردود أفعال الناس في ساعات الوقوف الأولى.. ردود أفعال سلمية وإنسانية راغبة في مساعدتها وخدمتها.. ولكن، لم يستمرهذا الوضع طويلاً..إذ شرعت الجماهير في إظهار ردود أفعال تختلف عن تلك السلمية والإنسانية (شكلاً مضموناً)..إذ تقدم أحدهم وأشهر المسدس في وجهها وأمرها بمغادرة المكان، ولم تتحرك مارينا..وتقدم آخر وحمل السكين وومزق ملابسها حتى تعرت، فلم تتحرك.. و بعد التعري، تحرشوا بها ونكزوا بعض أجزاء جسدها بأصابعهم، ولم تتحرك، ولكنها ( أدمعت).. ولم تمنعهم دموعها عن التمادي في التحرش..!!

:: وبعد ست ساعات من الوقفة الصامتة، تحركت مارينا من مكانها قليلا.. تحركت فقط، أي لم تبد أى رد فعل غاضب على تحرش البعض وسلوكهم العدواني.. وما أن تحركت، هرب الجميع.. فلخصت مارينا تجربتها المؤلمة في أسطر قليلة، منها : ( البشر الذين نلتقيهم يومياً ونتعامل معهم دائماً في حياتنا – مهما إختلفت أعراقهم وثقافاتهم وأعمارهم ومستويات تعليمهم – فلهم القدرة والرغبة في إرتكاب الأخطاء والجرائم وإظهار السلوك غير القويم، ولكن فقط في حال أن يجدوا من يتيح لهم الفرصة)..هكذا حصاد تجربة مارينا، وقد صدقت ( بيان بالعمل)..!!

:: وكما تحدد للآخر – على مستوى الفرد – (كيف يعاملك؟)، و (كيف يُخاطبك؟)، وليس لهذا الآخر غير حق القبول – والإمتثال- إن كان يرغب في التعامل معك، فعلى مستوى الدولة أيضا هناك ما يُحدد للناس تعاملهم مع ( الحق العام )، وهذا ما يُعرف بالقانون..تجربة مارينا ليست بمقاس الفرد، بل هي بسعة الشعوب والأوطان..وحال القوانين المناط بها مهام حماية المال العام لاتختلف كثيراً عن حال مارينا في تلك الساعات التي قررت خلالها أن تمنح الفرصة للجميع لترى ردود أفعالهم، فأروها التعري والتحرش والنكز وكل أنواع الإعتداء..(إنها الفرصة)، وهكذا أسمتها تجربة مارينا.. وبالوقوف بلاحراك – كما مارينا- طوال الربع قرن، أتاح القانون للمسؤولين فرصة التصرف في الحق العام، مالاُ كان أو منصباً.. ولذلك، ليس في الأمر عجب أن تحصد الناس والبلد خسائر القضايا المثارة حالياً، وماخفي – بالتأكيد- أعظم ..!!
[/JUSTIFY]

الطاهر ساتي
إليكم – صحيفة السوداني
[email]tahersati@hotmail.com[/email]

شارك الموضوع :

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

سودافاكس