الحرمان مما هو موجود عندنا

كما قلت من قبل لم نكن نعرف الجوع في شمال السودان النوبي، بل كان كل بيت يملك مؤونة العام من الحاصلات الزراعية، وكان لكل أسرة عدد من الأغنام لزوم الاكتفاء الذاتي من اللبن، أما الذين يملكون أبقارا فقد كان لديهم فائض من اللبن يصنعون منه السمن، وكان ذلك يتم بوضع اللبن في وعاء/ كيس يسمونه «بُكسة»، وانتقلت الكلمة إلى عامية عرب السودان فصارت «بخسة» من جلد الضأن أو الغنم المدبوغ، ويتم تعليق البكسة على ثلاث قوائم من الخشب ورجها بقوة لنحو نصف ساعة فتتحول المواد الدهنية في اللبن إلى زبدة، وبعدها يتم غلي الزبدة لتتحول إلى سمن «بلدي» زكي الرائحة، ولهذا يسمي السودانيون الشخص الإمعة الشخشيخة عديم الشخصية الذي يحركه الآخرون كما يشاءون «بخسة»، ويسمونه أحيانا «قفة» من منطلق أن القفة/ السلّة تكون تحت تصرف من يحملها ويحركها كيفما وأينما شاء.
وكان جزء من مهمتنا كصبية توفير القوت للماعز في بيوتنا، إما بالرعي بعد انتهاء المواسم الزراعية، أو بحمل المناجل والتوجه إلى الحقول لحش القش/ العلف الذي ينبت طفيليا بين أعواد الذرة والقمح، ولسبب لا أفهمه، فإن النوبيين لا يحبون النعاج والخرفان، ولا يحلبون لبن النعاج وبالتالي لا يشربونه، كما كان كل بيت يحرص على تربية الدجاج، وبالتالي كان في كل بيت في جزيرتنا (بدين) بيت للدجاج يسمى «قوقا» مبني من الطين المخلوط بروث البهائم، وكانت القوقا وعاء أكثر منها بيتا، لأنها كانت قابلة للتحريك لأنها غير مثبتة على الأرض بـ «أساس»، ومع هذا كان بيض الدجاج من الطيبات التي لا نتذوقها إلا في المناسبات الدينية أو الأفراح (إذا أكرمك الله بمشاركة عريس مائدته)، فقد كان دور البيض في حياتنا هو إنتاج المزيد من الدجاج والديوك، ومع هذا أيضا لم يكن أهلنا يذبحون دجاجة إلا بعد تجاوزها سن اليأس بنحو عامين أو بعد إصابتها بمرض اسمه «الهيم» ويسميه بعض أهل السودان «سمير» يجعل الدجاجة شبه عاجزة عن الحركة، وما لم يتم ذبحها في الوقت المناسب تموت و«تروح عليكم»، ولك أن تعجب كيف كنا نأكل دجاجا مصابا بمرض!! حتى لو كان مصابا بالإيدز لأكلناه من دون أن يصيبنا أذى فقد كانت بطوننا مصفحة فتدخلها الباكتيريا ثم تعتبر البيت بيتها و«الحالة واحدة»، ولأننا كنا نمشي حفاة داخل البيت خلال ساعات النهار فلم نكن ننجو من المشي فوق فضلات أمعاء الدجاج، وهي كائنات قليلة الحياء تتبرز دون أي اعتبار لمكان وقوفها: يعني تسويها وهي فوق سرير أو سجادة صلاة، أو على سطح شنطة أو صندوق، وكانت أحذية الصغار في ذلك الزمان كلها من القماش المقوى من صنع شركة باتا، وباتا هذا رجل هرب من تشيكوسلوفاكيا بعد أن دخلها السوفييت وأسس إمبراطورية ضخمة لصناعة الأحذية، ومن باب ترشيد الإنفاق وضغط المنصرفات لم نكن نرتدي الأحذية نهارا إلا عند التوجه إلى المدرسة وليلا، لأن متوسط دخل الفرد من العقارب في بلدتنا كان نحو عشرة عقارب يوميا، والعقارب كائنات ليلية، ولا تتعمد مهاجمتك ولكن لو اعترضت طريقها بأي شكل فإنها تطخك، وأنت وحظك: فيها تموت وفيها تنجو بجرعات مكثفة من عصارة الليمون ولو لدغك «مقربن سقد» والسقد هو العقرب والمقرب هو المغرب، بمعنى أنه لو لدغك عقرب في أول المساء فأنت من الهالكين.. ليه؟ مش عارف.
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]
