جعفر عباس

تعليم مستقيم وتقاليد راسخة

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] تعليم مستقيم وتقاليد راسخة [/B][/CENTER]

جيلنا نال تعليما جيدا، لأن التعليم كان خالصا لوجه التعليم، وكان معظم أساتذتنا السودانيين حاصلين على الدرجات فوق الجامعية من أوكسفورد أو كيمبردج، ومن نال منهم الماجستير والدكتوراه من غير هاتين الجامعتين، فعل ذلك بمحض اختياره وليس لأنه لم يجد قبولا فيهما، ولم تكن جامعة الخرطوم بحاجة إلى من يعترف بها بل كانت هي التي لا تعترف بعشرات الجامعات في كل القارات بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة، وكان الأساتذة من غير السودانيين من فئة العلماء.. مثلا درسنا مناهج في الأدب البروفسور المصري غنيمي هلال، وكان يحمل أكثر من درجة دكتوراه ولكنه تخصص في الأدب المقارن وكان يجيد الإنجليزية والفرنسية والإسبانية وله إلمام جيد باللغة الصينية، وهو الوحيد في تاريخ جامعة الخرطوم الذي أعد ودرس منهج «الشعر الصوفي في السودان» مما يعني أنه عكف على تجميع ذلك الشعر وتصنيفه وشرحه وتقييمه حتى تبحّر فيه (في ذات أمسية أدبية عامة في الجامعة وقف مدرس عجوز يتحدث عن مبادئ النقد الأدبي وكأنه يخاطب جمهورا في عصر أبي جعفر المنصور في بغداد، وفجأة انتفض غنيمي هلال واقفا: بس.. أنا ما استحملش.. عندي ضغط وسكري ومش ناقص، وغادر المنصة غاضبا).
ومع هذا لم يكن أساتذتنا في الجامعة من النوع الذي يقف وينثر الدرر أمام الطلاب ليكونوا مثل: دجاجي يلقط الحبّ/ ويجري وهو فرحان (نشيد حفظناه في المرحلة الابتدائية)، بل كان من حق الطالب ان يقاطع المحاضر بسؤال أو اعتراض على ما يقوله، ودرسنا العلوم السياسية على أيدي البروفسيرين مدثر عبدالرحيم وجعفر محمد علي بخيت، وكانا يختلفان في الرؤى حول كل شيء تقريبا، وبالتالي كانت محاضرات العلوم السياسية أقرب إلى الندوات لأن الطلاب كانوا ينحازون إلى أفكار هذا أو ذاك، ويدور حوار ناضج ولا تسمع من المحاضر عبارات مثل: اسكت يا غبي.. انتظر يا فصيح لو ما خليتك في الامتحان فسيخ. ولم يكن محاضر يدخل قاعة إلا في كامل هندامه، وكان معظم أساتذتنا يحرصون على ربطة العنق (الكرافتة)، ولا يعني هذا أن المحاضر الجامعي الذي لا يستخدم الكرافتة مبهدل، ففي زمننا هذا صار هناك زي اسمه الكاجوال أي غير المتمسك بما رسمي أو تقليدي، ولكن المدرس حسن الهندام كإمام المسجد حسن الهندام يعطي انطباعا طيبا لمن يجلسون أو يقفون أمامه أو خلفه. يا جماعة والله كان حلاق الجامعة الأشهر عمنا حمودة العركي لا يدخل مبنى الجامعة، إلا مرتديا الجاكيت والكرافتة، وكان صالون الحلاقة المخصص له من قبل إدارة الجامعة أنظف من مختبرات العلوم، وكانت كافتيريا دار اتحاد الطلاب المطلة على شارع النيل في مستوى كافتيريات الفنادق الفخمة.
والشاهد هو أنه كانت هناك تقاليد راسخة في كل شيء داخل الجامعة: اللبس، والتعامل والتخاطب، والبيئة التعليمية العامة، بل حتى في الخصومات السياسية، فإذا عقد الإخوان المسلمون ندوة، كان العرف السائد هو إعطاء القياديين الشيوعيين الأولوية في التعقيب وطرح الأسئلة وكان الشيوعيون يفسحون ل«الإخوان» الدور الأكبر في ندواتهم، ولم أسمع طوال سنواتي في الجامعة شتائم بين الفريقين من نوع: يا كافر.. يا ظلامي.. يا عميل.. يا ارهابي، ثم جاءت حقبة الإقصاء وكتم الأنفاس بالأسياخ والسكاكين وقنابل المولوتوف الحارقة، وتسيد الساحات من لا يميزون بين الشيعي والشيوعي والاسلامي والسلامي (إذا لم تكن تعرف السلامي فلا تثريب عليك فهو شريحة اسطوانية من اللحم من فصيلة المورتديلا.. أما إذا لم تكن تعرف المورتديلا فأنت في نعمة).

[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]