جعفر عباس

الخـريـف والمسؤولون والتخريف

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] الخـريـف والمسؤولون والتخريف [/B][/CENTER]

يشهد السودان هذه الأيام (أغسطس 2014) أمطارا غزيرة تسببت في تدمير آلاف المساكن ومصرع نحو 30 شخصا وتشريد عشرات الآلاف، وكان العام الماضي قد شهد كارثة مماثلة، وكنت وقتها في الخرطوم وسمعت كبار المسؤولين يتحدثون عن خطة استراتيجية لمنع تكرار مثل تلك الكوارث، بإقامة الجسور والسدود وقنوات التصريف وتفعيل حصاد المياه، وجاءت أمطار الشهر الجاري وحصد الناس الهشيم، وارتفع نصيب الفرد من الذباب من 2000 يوميا إلى 13 ألفا، وذباب فصل الخريف نوع عجيب، فالذباب عادة لا يستقر في موقع إلا لنحو ثلاث ثوان، ولكن ذباب الخريف يعجز عن الحركة السريعة لأنه سمين ومتين، ويجلس على طرف صينية الطعام – مثلا – فإذا أردت طرده فإنك لا شك ستقلب الصينية بما فيها، لأنك بحاجة إلى عضلات قوية لممارسة الطرد، ورغم أن الطبيب النفساني منعني من مشاهدة القنوات التلفزيونية السودانية بعد أن صرت أتعرض لنوبات هذيان وتخرج مني ألفاظ غير مهذبة، فقد حرصت خلال اليومين الماضيين على متابعة نشرات الأخبار في «قناة الشروق» لأنها تتحلى بقدر معقول من الصدقية مقارنة برصيفاتها، وسمعت المسؤولين يمارسون نفس الضحك على العقول بالحديث عن إنشاء غرف طوارئ ووضع خطة استراتيجية لدرء خطر الفيضانات والسيول، وأعجبني مسؤول قال إن تنفيذ الخطة الاستراتيجية تلك سيستغرق سبع سنوات، وسر إعجابي بكلامه هذا هو أنه أثبت سوء ظني بكلمة «استراتيجية» وما سمعت مسؤولا يتكلم عن ضرورة التخطيط الاستراتيجي إلا واستنتجت أنه حرامي ويريد تخصيص بضعة ملايين ليأتي بمستهبلين ذوي بشرة بيضاء ليضعوا الخطة الاستراتيجية بما يسمح له بوضع 80% من مخصصاتها في جيبه، وكلما سمعت الكلمة من مسؤول حكومي أقرؤها «استراحية».. على أقل من مهلك.
والسودان لم يكن في صحراء كلهاري وانتقل الى موقعه المداري الحالي بسبب مؤامرة من دول الاستكبار العالمي، بل ظل ثلثا مساحته منطقة سافنا أو شبه سافنا، تشهد منذ مئات السنين أمطارا غزيرة خلال شهري يوليو واغسطس، وحتى قبل ربع قرن كانت المجالس البلدية تشرع في حفر مجاري الأمطار عبر أحياء كل مدينة، وتكمل المهمة بحلول شهر يونيو، ووالله كنت ذات مساء في غرفتي في الطابق العلوي من داخلية بحر الجبل في جامعة الخرطوم مستمتعا بهدير أمطار رعدية عندما مر أمامي سيف من نار دخل من النافذة الشمالية وخرج من الباب في ثوان، ولم أعرف «الحاصل بالضبط»، وفوجئت بجيراني الذين كانوا يراقبون المطر من ممر أمام الغرف يقتحمون غرفتي منزعجين ويصيحون: الحمد لله، وعرفت منهم أن ذلك السيف الناري كان صاعقة لو صادفتني لشقت جسمي إلى نصفين (نُص استواء)، ونمنا والأمطار مستمرة وفي الصباح كانت جميع الميادين المحيطة بالسكن الطلابي قد تحولت إلى بحيرات ضخمة، ثم جاء عمال وفتحوا مانهولات هنا وهناك، وخلال سويعات كانت المنطقة تعاني من الجفاف والتصحر، ونظام التصريف الكفء ذاك كان موروثا من فترة الحكم الاستعماري، ولو تسنى لأحد أن يدخل المباني القديمة في القيادة العامة للجيش السوداني (دخلتها لتنفيذ إنقلاب ثم غيرت رأيي لأن المسألة مش مستاهلة) فسيجد شبكة تصريف مياه تحت الأرض مبنية بالخرسانة، وتمتد لعدة كيلومترات إلى القصر الجمهوري وما يليه من مبان حكومية، من «مخلفات الاستعمار».
بعدين يا ولاة الأمر في الخرطوم والله عيب أن تغرقوا وتغرقوا معكم العباد والبلاد في شبر ماء، اذهبوا الى مدينة الخرطوم بحري وسترون مجرى مرصوفا يشق المدينة، وكان يتولى تصريف مياه الامطار كل عام خلال ساعات، ومن نفذ ذلك المجرى هو نصر الدين السيد ولم يكن وقتها وزيرا أو واليا بل مجرد ضابط إداري في بلدية بحري.. والمجرى اليوم موجود ولكنه مسدود بالنفايات التي تتقاضى الحكومة نظير «عدم» جمعها جبايات.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]