جعفر عباس

زمن الوظائف بالكوم و«التساوي»

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] زمن الوظائف بالكوم و«التساوي» [/B][/CENTER]

كان جميع أبناء وبنات دفعتنا في جامعة الخرطوم وغيرها من مؤسسات التعليم العالي، يعرفون تماما أنهم سيحصلون على وظائف بعد 3 و 4 أشهر من التخرج على أبعد تقدير، وكانت جامعة القاهرة فرع الخرطوم، والتي كانت تنفق عليها الحكومة المصرية بالكامل قد دخلت الساحة بنظام مستحدث هو إتاحة فرصة الدراسة الجامعية لمن فاتهم القطار، ودخلوا الحياة العملية، ولهذا كانت الدراسة فيها مسائية وكان كثير من طلابها بصلعات تجنن وشوارب ودقون تسلل إليها الشيب، وكما هو معلوم فقد قررت حكومتنا الحالية مصادرة تلك الجامعة لكي لا يكون لمصر جمائل على السودان، وأسمتها جامعة النيلين فتعرضت مثل بقية الجامعات الحكومية لزوابع رعدية وسيول وأمطار جعلتها قاعا صفصفا، وكنا نسمي تلك الجامعة «الفرع» وخريجيها «الفرّاعة»، من باب الاستخفاف الغوردوني الذي كان في جينات معظم الدارسين في جامعة الخرطوم في عصرها البلاتيني، حتى الحكومة كانت تتحامل على خريجي جامعة القاهرة فرع الخرطوم وتعطي الأولوية في التوظيف لخريجي جامعة الخرطوم، وكانت مبررات التحامل أن الدراسة في «الفرع» باللغة العربية بينما كانت الإنجليزية لغة شبه رسمية في الدواوين الحكومية، ولكن شيئا فشيئا برز تميز طلاب جامعة القاهرة «الفرع»، في مجالات كثيرة وخاصة المحاسبة والقانون، كما أن طلابها صاروا حلفاء لطلاب جامعة الخرطوم في العمل السياسي، وربما قررت الحكومة الحالية انتزاع ملكية «الفرع» من مصر لأن اتحاد الطلاب فيها كان محتكرا بصورة شبه دائمة لليسار.
الغريب في الأمر أن الغوردونيين، اي طلاب وخريجي جامعة الخرطوم كانوا يكنون احتراما شديدا لمعهد الخرطوم الفني KTI رغم أنه كان يزود الدارسين فيه فقط بـ«دبلوم»، فقد كان المعهد الذي تم تأسيسه في عام 1950، يخرج فنيين ومهنيين ذوي كفاءات عالية في مجالات الهندسة والمحاسبة والمساحة والفنون والسكرتارية والتجارة، وكان الدارسون فيه يتمتعون بأحوال دراسية ومعيشية ممتازة، وكان من الطبيعي أن يحتجوا ويطالبوا برفع «الدبلوم» إلى بكالريوس، وهكذا تم تحويل المعهد إلى جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، والتي في تقديري ما تزال تحافظ على التقاليد الأكاديمية التي كرسها المعهد الفني وصارت بالتالي جامعة مميزة جدا وتدرس مناهج لا توجد في غيرها من الجامعات التي تكاثرت كالباكتيريا في السودان، ولديها برامج نموذجية في مجال دراسات الانتاج الحيواني وصناعة الجلود والمنسوجات، وأجمل ما في تلك البرامج أنها تسمح لبعض دارسيها الاستفادة ماديا مما درسوه بتمكينهم من تسويق منتجات الحيوان من ألبان ولحوم ومصنوعات جلدية عبر منافذ توفرها الجامعة، كما شهدت بعيني جهازا طورته الجامعة من مكونات محلية لدبغ الجلود، يسهل استخدامه في المناطق الريفية حتى في غياب الكهرباء.
المهم أنه ما من خريج جامعي أو حامل لدبلوم كان يتبهدل للحصول على وظيفة، وكانت درجات توظيف الخريجين الجدد ورواتبهم في القطاع الحكومي معروفة ومحددة، ويقضي الموظف مدة معلومة في كل درجة وظيفية، وليس كما هو حادث اليوم: طبيب لم يتخصص حتى في نظافة الجروح يصبح مديرا لمستشفى يأمر وينهى استشاريين قضوا سنوات أكثر من سنوات عمره في المجال الطبي، ومحاضر بخبرة تدريس سبع سنوات يصبح مديرا لجامعة فيها 15 ألف طالب، وواحد أكمل دراسة الهندسة في تسع سنوات بسبب الرسوب المتكرر تكون أول وظيفة له «مدير مشاريع»، ومن لا يملك من الشهادات سوى «لا إله إلا الله….»، ولا خبرة سوى القدرة على الهتاف بصوت مجلجل، يصبح حاكما/ واليا يدير أحوال الملايين بميزانية «ملاليم».
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]